ب - وإذا كان خالد قد اشترط على أهل الحيرة ألا يتشبهوا في زيهم بالمسلمين ، فإن هذا الشرط لم يكن عن ترفع المسلمين عليهم ، أو زرايتهم بهم لأن أهل الذمة كانوا أحرارا في اختيار ملابس أخرى غير ملابس المسلمين ، وإن كانت أغلى وأنفس ، وإنما كان الغرض أن يكون لكل طائفة طابعها المميز ، وخصوصا في أول العهد بالإسلام ، واختلاط المسلمين بغيرهم ، حتى يكون في هذا التمايز أمان من الفتنة والاضطراب وزلزلة الأمن .
ج - وقد أقصي الذميون عن الوظائف العامة في عهد المنصور والمتوكل والمقتدر وقليل ممن بعدهم ، لكن هذا الإقصاء لم يكن عن تعصب ديني : ذلك بأن تجدد هذه المراسيم دليل قاطع على أنها لم تنفذ دائما ، وإلا فلما ذا تجدد ؟ « ثم إن الباعث على إقصائهم كان ناشئا عن السخط على سلوكهم الخشن في وظائفهم . وربما كان سورة من التعصب تنافي روح الإسلام ومعاملة الخلفاء الأولين ، على أن هذه الأعمال التعسفية قد زالت في أسرع وقت » ( انتشار الإسلام ) .
موازنات وشهادات
أما وقد تجلت سماحة الإسلام والمسلمين في معاملة مخالفيهم في العقيدة فإنا نريد أن نزيدها جلاء ، وأن نزيد النفوس بها إعجابا ، إذ نوازن بين هذه السماحة التي كانت من طبائع الإسلام ، وبين القسوة التي استمرأها غيره .
- 1 -
لم تجر اليهودية على سماحة في معاملة خصومها . فقد جاء في العهد القديم :
« حين تقرب من مدينة لتحاربها ادعها إلى الصلح ، فإن أجابتك وفتحت لك فكل من فيها مسخر لك ومستعبد . وإن لم تسالمك وحاربتك فحاصرها ، فإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب ذكورها بحد السيف . وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة فهو غنيمة لك . وهكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا ، التي ليست من مدن هذه الأمم التي هنا . وأما مدن هذه الشعوب التي يعطيك الرب إياها فلا تستبق منها نسمة ما ، بل أهلكها إهلاكا » . ( سفر التثنية ) . « ولقد قتل بنو لاوي ثلاثة آلاف رجل من شعب إسرائيل جزاء لهم على عبادة العجل » ( سفر الخروج ) . « وأرسل موسى اثني عشر ألف رجل لمحاربة أهل مدين فحاربوهم ، وانتصروا عليهم ، وقتلوا كل ذكر منهم وخمسة ملوك ، وسبوا نساءهم وأولادهم . ولما رجعوا غضب عليهم موسى ، لأنهم