فقد شكا يهودي علي بن أبي طالب للخليفة عمر ، فقال عمر لعلي عليه السّلام : قم يا أبا الحسن فاجلس بجوار خصمك . ففعل علي عليه السّلام وعلى وجهه علامة التأثير فلما فصل عمر في القضية قال لعلي عليه السّلام : أكرهت يا علي أن تساوي خصمك ؟ قال : لا ، لكني تألمت لأنك ناديتني بكنيتي ، فلم تسوّ بيننا - ومعلوم أن الكنية للتعظيم - فخشيت أن يظن اليهودي أن العدل ضاع بين المسلمين .
فهل سجل التاريخ أو عرف الناس سماحة في العدالة ، ودقة في المساواة ، إلى هذا الحد ؟
وتنازع الأمير العباسي إبراهيم بن المهدي ، هو وبختيشوع الطبيب بين يدي القاضي أحمد بن أبي دؤاد ، فزرى إبراهيم على بختيشوع وأغلظ له ، فأحفظ ذلك القاضي ، فقال : يا إبراهيم إذا نازعت أحدا في مجلس الحكم ، فلا ترفع عليه صوتك ، ولا تشر إليه بيدك ، وليكن قصدك أمما ، وطريقك نهجا ، وريحك ساكنة ، وكلامك معتدلا . ووف مجالس الحكومة حقها من التوقير والتعظيم . . . فقال الأمير إبراهيم :
أمرت بسداد وحضضت على رشاد ، ولست بعائد إلى ما يثلم مروءتي عندك ، ويخرجني من مقدار الواجب إلى الاعتذار وقد وهبت حقي من هذا العقار لبختيشوع ، فليت ذلك يمحو زلتي ولم يتلف مال أفاد موعظة .
أية عظمة هذه ؟ القاضي يسوي بين الأمير المسلم ابن الخليفة المهدي ، وعم الخليفة المأمون ، وبين طبيب نصراني من موظفي الدولة ، والأمير ، سرعان ما يستجيب لنصح القاضي ، ويندم على ما فرط منه من الغلظة والتعالي ، ثم يتنازل عن العقار الذي كانا يتنازعان عليه ، لا لأنه حق للطبيب ، بل ليعالج بمنحه للطبيب زلته معه .
شبهة وردها :
ربما يجد الباحث بعض التضييق في فترات متقطعة من التاريخ ، فيحسب أن هذا التضييق على الذميين منبعث عن تعصب أو عن بغضاء ، لكن إذا دقق النظر لا يلبث أن يجده عارضا طارئا لأسباب اقتضته .
أ - فإذا كان خالد بن الوليد ، قد اشترط على أهل الذمة ألا يلبسوا زي الحرب ، واشترط أبو عبيدة بن الجراح على أهل الشام ألا يلبسوا السلاح ، في يوم عيدهم ، فلقد كانت الحكمة في هذا ، أن يتجنب الذميون المظاهر التي قد تثير الشحناء والبغضاء ؛ ولا تتفق مع المسالمة .