الثروات ، وامتلاك الضياع الواسعة ، وأعفوها من الضرائب ، كما أعفى الأشراف ضياعهم ، ولم يكونوا أرحم بأرقاء أرضهم من السادة الأشراف .
وحينما أحسوا بقوتهم هيمنوا على سياسة الدولة ، وعلا نفوذهم على نفوذ الأشراف . ثم دفعهم التعصب إلى اضطهاد اليهود ، وإجبارهم على التنصر ، وخيرهم الملوك بين اثنتين : أن يتنصروا أو ينفوا وتصادر أملاكهم ، فاضطر كثير منهم إلى التنصر رياء لا عقيدة . وقد ظهر أثر هذا الرياء في تآمرهم مع يهود بلاد العرب ، وعزمهم على الثورة قبل الفتح الإسلامي بسبع عشرة سنة ، فلما عرفت الدولة مؤامرتهم سنة 694 م سلبتهم أملاكهم وضمتها إلى الملك ، وقضت بأن يمتلكهم ويهبهم عبيدا لمن شاء ، وأن يربي أبناءهم على النصرانية ، وألا تتزوج يهودية إلا بنصراني . لهذا رحب اليهود وسكان البلاد ، بالعرب الفاتحين لأنهم سيخلصونهم مما حل بهم .
وأيضا ، لم يكن اختلاف الدين في نظر الإسلام ، مانعا للذميين من أن يوظفوا في الدولة .
فقد اصطنع عمر بن الخطاب بعض أسارى قيسارية كتّابا له ، ووظفهم في الدولة .
( فتوح البلدان للبلاذري ) .
وإذا كان قد رفض أن يوظف مسيحيا من أهل الحيرة ( كما في عيون الأخبار ) ، لابن قتيبة ج 2 - 43 ، فإن ذلك لم يكن لاختلاف الدين ، وإنما كان لأنه لم يطمئن إليه كما اطمأن إلى غيره ، ولا تثريب عليه في هذا الرفض ، لأنه كان يرفض تولية المسلم إذا توجس منه ظلما للناس أو خيانة للمال ، كما صنع ذلك مع أبي هريرة فعزله عن ولاية البحرين وعلاه بالدرة .
كذلك اتخذ أبو موسى الأشعري كاتبا نصرانيا . ( عيون الأخبار لابن قتيبة ) .
ثم توسع معاوية في إلحاق النصارى بخدمته ، وحاكاه آخرون من البيت الأموي ، فكان لمعاوية طبيب نصراني هو ابن أثال ، وقد كافأه معاوية بوضع الخراج عنه ، وولاه خراج حمص . ( تاريخ الطبري 6 - 128 ) .
وطالما شغل المسيحيون مناصب عالية في بلاط الخليفة ، مثل الأخطل شاعر البلاط ، ومثل يوحنا الدمشقي مستشار عبد الملك بن مروان . ثم اختار عبد الملك عالما مسيحيا من مدينة الرها يدعى أثناس مؤدبا لأخيه عبد العزيز ( انتشار الإسلام ، أرنولد ) .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 441
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٤٤١