لهذا لم يكد يتم للمسلمين النصر حتى تنفس الفرس الصعداء ورحبوا بهم حبا في الخلاص من ظلم الحكام أولا ، ورغبة في إعفائهم من الخدمة ثانيا ، وأملا في تمتعهم بالحرية الدينية ثالثا ، ( انتشار الإسلام ) ص 179 ، ( أرنولد ) .
ولم يخب أمل الفرس في عدالة المسلمين وسماحتهم ، لأنهم عاملوا بالتسامح من بقي من الفرس على دينه ، وكفلوا لهم حريتهم في عبادتهم ومعابدهم . يدل على ذلك أن أحد قواد الخليفة المعتصم أمر بجلد إمام ومؤذن ، لأنهما اشتركا في هدم معبد من معابد المجوس ، لتستخدم أحجاره في بناء مسجد مكانه .
ويدل على ذلك أيضا ، أن معابد النار في القرن العاشر الميلادي - بعد الفتح بثلاثة قرون - كانت تملأ العراق وفارس وكرمان وسجستان وخراسان وأذربيجان ، حتى إنه لم تخل مدينة من مدن فارس من معبد أو معابد لعبادة النار . ( مروج الذهب ) ولا شك أن بقاء معابد النار بهذه الكثرة ، بعد الفتح الإسلامي دليل على أن المسلمين لم يجبروا أحدا على دينهم ، ودليل على أن الذين أسلموا من الفرس إنما أسلموا عن رغبة صادقة وحرية في الاختيار ، بعد أن وازنوا بين دينهم القديم وبين الإسلام .
و - ثم فتح المسلمون إسبانيا ، فأنجدوا سكانها من العسف والمذلة ، لأن القوط كانوا هم حكامها وسادتها ، فإنهم لما دخلوا فاتحين طردوا منها الوندال والروم ، واستقلوا بها منذ سنة 484 م ، وبقيت في قبضتهم أكثر من مائتي عام . وكان حكمهم فاسدا بغيضا إلى الشعب ، لأنهم - على الرغم من تنصرهم - ترفعوا عن السكان الأصليين ، وعاشوا وحدهم في أبراج من العاج ، فكانوا هم الطبقة العليا ، واستأثروا بالضياع الواسعة ، وحرموا المصاهرة إلى الأهلين .
أما الشعب فكان طائفتين : الطائفة الأولى : هم أرقاء المزارع والعبيد ، وكان هؤلاء ملكا لسادتهم ، لا يحميهم قانون ولا عرف من التعذيب أو القتل ، وكان أرقاء الأرض ملزمين بالإقامة فيها وزرعها ، فإذا انتقلت من مالك إلى مالك انتقلت إليه ملكية أرقائها ، ولم يكن من حقهم أن يتزوجوا إلا برضا السادة .
أما الطائفة الثانية : فهي الطبقة المتوسطة ، وقوامها الأحرار من سكان المدن ، وقد لاقى هؤلاء من التضييق والإرهاق مثل ما لاقى العبيد ، لأن أثقال الضرائب التي كان يتطلبها السادة للإنفاق على شهواتهم وترفهم ، كانت على عواتقهم . ثم إن رجال الدين خيبوا الآمال المعلقة عليهم في نصرة الضعفاء ، لأنهم استغلوا تنصر القوط وانضمامهم إلى الكنيسة ، واستبدوا بشؤون الحكم وبشؤون الدين ، وتنافسوا في إحراز
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 440
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٤٤٠