ويرهنهم متاعا . كان يفعل ذلك لا عجزا من أصحابه عن إقراضه ، فكان منهم المثرون وهم المستعدون لأن يضحوا بأنفسهم وأموالهم في مرضاة نبيهم ، بل كان يفعل ذلك تعليما وإرشادا للأمة وتثبيتا عمليا لما يدعو إليه من سلام ووئام ، وتدليلا على أن الإسلام لا يقطع علاقات المسلمين مع مواطنيهم من غير دينهم . وقد سار المسلمون على سيرة نبيهم فعاشروا غيرهم من أهل الملل والنحل الأخرى بصفاء ووئام ، فكان المسيحي واليهودي بجوار المسلم فيتزاورون ويتهادون لا يفصلهم إلا المسجد والكنيسة والبيعة . فقد روي أن غلاما لابن عباس ذبح شاة ، فقال له ابن عباس : إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي . ثم كررها حتى قال له الغلام : كم تقول هذا ، فقال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يزل يوصينا بالجار ، حتى خشينا أنه سيورثه . فابن عباس بنص هذا الخبر كان مجاورا ليهودي ، وكان يهتم بالإهداء إليه ، كما يهتم بسواه ، مراعاة لحرمة الجوار ، ومعنى هذا ، أن الاسلام لا يفرق في مكارم الأخلاق وحقوق الاجتماع بين مسلم وأي مخالف آخر ، فالكل في نظره سواء .
وحدث المجلسي في المجلد ( التاسع من البحار ) عن أبي جعفر الباقر عن أبيه عليه السّلام : « إن عليا عليه السّلام صاحب رجلا ذميا ، فقال له الذمي : أين تريد يا عبد اللّه ؟
قال : أريد الكوفة ، فلما عدل الطريق بالذمي عدل معه علي ، فقال له الذمي : أليس زعمت تريد الكوفة ؟ قال : بلى . فقال الذمي : فقد تركت الطريق . فقال : قد علمت .
فقال له : فلم عدلت معي وقد علمت ذلك ؟ فقال له علي : هذا من تمام حسن الصحبة أن يشيع الرجل صاحبه هنيهة إذا فارقه . وكذلك أمرنا نبينا . فقال له : هكذا ؟ قال :
نعم . فقال له الذمي : لا جرم إنما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة ، وأنا أشهدك أني على دينك ، فرجع الذمي مع علي وقد أسلم » .
فإذا ما سايرنا الفتوح الإسلامية بعد ذلك وجدنا الشعوب المختلفة ترحب بالمسلمين الفاتحين ، وتنضم إليهم أحيانا ، لتنجو من عسف الفرس والروم ، ولتستظل بوارف من العدل والسماحة والحرية .
ولقد تحقق لهذه الشعوب ما أملت ، وسرعان ما دان أكثرها بالإسلام عن رغبة واختيار ، وسرعان ما صارت البلاد المفتوحة موئلا للإسلام ، وأهلها دعاته وحملة لوائه .
أ - فقد كتب المسيحيون في الشام إلى أبي عبيدة - وهو معسكر في فحل - يقولون : يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم ، وإن كانوا على ديننا ، أنتم أوفى
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 436
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٤٣٦