اشترطت قريش على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في صلح الحديبية شروطا قاسية ، منها : أن من جاء من محمد إلى قريش لا ترده إلى محمد ، ومن جاء إلى محمد بغير إذن وليه رده محمد . وقبل النبي شرطهم الجائر ، لحكمة رآها ، وتبرم بعض الصحابة بالشرط ، وما كادوا ينتهون من توقيع المعاهدة حتى جاء أول امتحان للوفاء ، إذ وصل مسلم من مكة اسمه أبو جندل بن سهيل يرسف في الحديد فارّا من أذى قومه ، وألح على الرسول في أن يضمه إليه . لكن الرسول سلمه لقريش وفاء بعهده ، فقال أبو جندل : إنهم سيعذبونني . فقال له النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : اصبر واحتسب ، فإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا ، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد اللّه وإنا لا نغدر بهم . ثم وفد على النبي بالمدينة أبو بصير بن عتبة بن أسيد فرده وقال له مثل ما قال لأبي جندل .
وإن سماحة الرسول وسماحة الإسلام لتتجلى حتى في الموقف المهتاج الذي تطمئن فيه النفوس إلى الانتقام ، وأنت تعلم أن الأمم كانت تعامل أسراها معاملة العدو البغيض ، فتقتلهم أو تبيعهم وتسخرهم في أشق الأعمال .
أما الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقد عامل أسرى بدر معاملة حسنة ، ذلك بأن وزع الأسارى السبعين على أصحابه ، وأمرهم أن يحسنوا إليهم ، فكانوا يفضلونهم على أنفسهم في طعامهم . ثم استشار أصحابه في شأنهم ، فأشير عليه بقتلهم ، وأشير عليه بفدائهم ، فوافق على الفداء ، وجعل فداء الذين يكتبون أن يعلّم كل منهم عشرة من صبيان المدينة الكتابة ، وأشير عليه أن يمثل بسهيل بن عمرو - أحد المحرضين على محاربة المسلمين - بأن ينزع ثنيتيه السفليين فلا يستطيع الخطابة ، فرفض النبي عليه السّلام وقال :
« أمثل به فيمثل اللّه بي وإن كنت نبيا » ، وكذلك أطلق أسرى بني المصطلق .
ولما فتح مكة قال لقريش : ما ذا تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا أخ كريم وابن أخ كريم . فقال : « اذهبوا فأنتم الطلقاء ، لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لي ولكم » .
ومنع المسلمين في غزوة خيبر - بلد اليهود الذين نكثوا بعهدهم مع المسلمين وحرضوا العرب على غزوهم وانضموا إليهم - من أن يدخلوا بيتا من بيوت اليهود إلا بإذنه ، ومن أن يضربوا نساء اليهود أو يعتدوا على ثمراتهم .
وكان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يعامل أهل الكتاب بكل أنواع المعاملات التي يتبادلها المجتمعون في جماعة يحكمها قانون واحد ، وتشغل مكانا مشتركا ، فقد كان يغشى مجالسهم ويواسيهم في مصائبهم ، ويعود مرضاهم ويزورهم ويكرمهم ، وكان يقترض منهم نقودا
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 435
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٤٣٥