تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
وينظر إلى غير المسلمين الذين يعيشون مع جماعته بتعاون وسلام ، نظرته إلى المسلمين أنفسهم ، كل منهم على دينه ، يدعو له بالحكمة والجدال بالتي هي أحسن بلا إكراه أو ضغط على أحد ، وبلا مساس بحقوق الآخرين ،
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
« 1 » . ولا يتطلب من غير المسلمين سوى الكف عن بغضاء المسلمين وإثارة الفتنة بينهم ومعارضتهم في طريق الحياة الإسلامية . وفي العلاقات بين الدول الإسلامية وغير الإسلامية ، يقف الإسلام موقف من يدعو العالم إلى الخير . ويبيح إبرام المعاهدات ، والتعاون مع الدول غير الإسلامية في أوقات السلم ، ما دامت تلك المعاهدات لا تعارض المبادئ الأساسية للإسلام :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 8 ) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
« 2 » . الإسلام لا يتحول عن علاقاته الودية مع البلدان غير الإسلامية ، ما لم يكن ضحية عدوان أثيم ، وما لم توضع في طريقه عقبات أو تجر محاولات لإغواء المسلمين وتضليلهم ، وعندما يتعرض الإسلام لمثل هذه المحن يحل للمؤمنين صد العدوان ، واستعادة الأمن والنظام وإيجاد وضع عادل يفكر الناس فيه ويعملون بحرية تامة ، بل يجعل ذلك واجبا عليهم . ويحرم على المسلمين شن حرب عدوانية بواعثها روح القسوة أو الرغبة في استغلال ثروات الناس ومصادرهم أو إثارة الآلام أو تشريد شعب من بيوتهم وأوطانهم . أما إذا قامت حرب شرعية ، فالإسلام يحرم استخدام الوسائل التي تؤدي إلى التخريب والتدمير أو الإبادة والإفناء ، كما لا يحلل قتل المدنيين من الناس ممن لا ضلع لهم في العداوة كالنساء والأطفال والشيوخ والعجزة . ولا يبيح المشاركة في القتال ما لم يعرف الأسباب بجلاء ووضوح ، وما لم يتلق العدو إنذارا . ولا يجيز إساءة معاملة أسرى الحرب أو تعذيبهم أو قتلهم . ووضع حدّ للحرب الشرعية لا يستلزم أن تعتنق قوات العدو الإسلام ، بل يكفي أن توقف عدوانها الأثيم وتوقع معاهدة تحفظ حقوق الناس وتحميهم من الظلم والطغيان والفتنة والتمرد . هذه المعاملات لم تطف بمخيلة فلاسفة أوروبا إلا بعد أكثر من ألف سنة ، ولما طافت بفكرهم ودونوها في كتبهم عدوها من أكبر الأصول العمرانية ، وأدل دليل على
هامش
( 1 ) سورة النحل ، الآية 125 . ( 2 ) سورة الممتحنة ، الآيتان 8 - 9 .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 432 | السيد حسن القبانچي