تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
الوصف غير العقل ، فإن العقل لمجرد فهم الخطاب ، والعقل لا يستغني عن الذمة ، وإلا لم يثبت الوجوب له وعليه . فالذمة بمنزلة السبب لكون الإنسان أهلا للوجوب له وعليه . وأما العقل فبمنزلة الشرط . فتأتي الذمة بمعنى الأمان والعهد ، يقال : فلان دخل في ذمة فلان : أي في أمانه وعهده . وبمعنى الأمانة والوفاء يقال : له في ذمتي كذا : أي علي له وفاء ذلك الشيء . وعليه قولهم : أبرىء ذمتي من كذا : أي لا تكلفني وفاءه فأكون خالي العهد به . وأهل الذمة عند الأمم القديمة : ( كاليونان والرومان ) ، هم السفلة من أهل البلاد الذين يدخلون في ولاء الأشراف والبطارقة فيستظلون بكنفهم ويكونون تحت رعايتهم وحمايتهم . وأما عند الرومانيين ، فلا يخفى ذلك على من تصفح التاريخ ، فإن كل عائلة قادرة كان لها عيال كثيرة من أهل الذمة تزيد قوتها بزيادتهم وتتوفر مداخيلها بأعمالهم ، وكان على المولى أن يحمي الذمي ويعتني بإسعافه عند اللزوم ، وكانوا يخصصون لهم منازل يسكنونها وأرضا يشغلونها ، ويدافعون عنهم في الشريعة وينوبون عنهم في فتح الدعاوى ، لأن الشريعة لم تكن تجيز للذميين الدخول فيها ، وكذلك كان الحال في أثينا من جهة الذميين الأجانب ، لكن كان يمكنهم دخول المحكمة بوساطة أحد أهل البلد . وأما سيادة المولى على الذمي فكانت عظيمة في رومية ، فكان يمكنه أن يقاصه كما يريد ، ويرث من يموت بلا عقب ويجبر من خرج عن طاعته بالرجوع إليها ، وكان على الذميين معاونة الموالي في كل حال ومشاركتهم في وفاء الغرامة أو الدين أو الأمهار ، وأن يفدوهم من مالهم إذا أسروا . وبقي الذميون مدة طويلة لا يدخلون في اللجن السياسية ، ولا يتعاطون أمور الأحكام ، ثم مع توالي الزمان حصلوا حقوقا في الانتخابات وصارت لهم يد في أمور المملكة ، لكن ذلك كان مقصورا على من كانوا من الأمة . وأما الأجانب من أسرى وملتجئين ونحوهم ، فكانوا يحسبون كالعبيد . ثم إن هذا الذل حملوه زمانا طويلا تلاشى مع تقدم الأمم في سبل التمدن ، ولا سيما بعد إلغاء الشريعة التي تمنعهم عن تقديم دعاويهم بأنفسهم ( راجع دائرة المعارف البستانية ) . وأهل الذمة عند المسلمين : المعاهدون من النصارى واليهود ممن يقيمون بدار الإسلام .