والمطلع على ما قرره الإسلام في الذميين من الرعاية وحسن المعاملة والمساواة بالمسلمين في القضاء يدهش ، ويعد ذلك من المعجزات التي خص بها أهل الإسلام دون سواهم ، فإن القرن السابع من الميلاد المسيحي وما بعده ، إلى عهد الثورة الفرنسوية في القرن الثامن عشر ، كانت كلها قرونا خيمت فيها الجهالة على أهلها .
وكانت الأحقاد الدينية تغلي مراجلها في قلوب الأمم كافة حتى بين أبناء الدين الواحد في مذاهبه المختلفة . فظهور المسلمين في عصور نشوتهم بخمرة النصر مع ما شهر عنهم من الحب الكبير لدينهم بهذه المعاملة الحسنة حيال مخالفيهم في الدين يعد ولا شك ، من العجائب التي لا يكفي لهذا التعجب .
أفليس من العجب أن ترى الإمام ( زين العابدين ) ( وعلى ذكره السّلام ) في هذه الفقرة اللامعة ، يستعرض ما رسمه الإسلام في حقهم ، فينبعث قائلا : « وليكن بينك وبين ظلمهم من رعاية ذمة اللّه والوفاء بعهده وعهد رسوله حائل » ، فإنه بلغنا أنه قال :
« من ظلم معاهدا كنت خصمه » . فإنه ليس لمسلم أن يعتدي عليهم ، ولا أن يسكت عن أذى يمسهم ، وأن يدفع عنهم ما يدفع عن نفسه ، ويحميهم ويحفظ عليهم أنفسهم وأموالهم وأولادهم ، وغير ذلك من مشاراتهم ومبايعتهم ومبادلتهم بالسلع والأثاث .
فالإسلام حين يضع هذه الأحكام التي تخص أهل الذمة ، يرجو أن تكون القوة أكبر وأكثر وأوسع ، مما لو كان المسلمون بانعزال عن غير المسلمين من الناس . ثم لعل بعض أهل الذمة أن يتصلوا بالإسلام والمسلمين فيتعرفوا على مبدئهم ودينهم فيسلموا ، فتضاف للمسلمين في كل يوم قوة جديدة تنمو بازدياد ، فإذا هي القوة العالمية الوحيدة في الأرض .
وينهى الإمام عليه السّلام عن ظلم الذمي كما ينهى عن ظلم المسلم ، وليس هينا من الأمر ما يدع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى أن يقول : « من ظلم معاهدا كنت خصمه » فالعهد الذي يبرم بين المسلمين وغير المسلمين ليس له انفصام ولا نقض إلا إذا نقض المعاهدون من غير المسلمين عهدهم ، فحينذاك يخرجون عن ذمة الإسلام فيجب قتالهم وحربهم ، ويحل للمسلمين مالهم ونفوسهم .
إن الإسلام لا يكنّ لغير المسلمين أية عداوة أو بغضاء ، بل يدعو إلى التعايش السلمي والتعاون معهم في الحياة بقول اللّه عزّ وجلّ :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما