لا يخفى عليه ما في سريرة الإنسان وسره - فضلا عما في ظاهره - وإن خفي على طائفة الدعاة وجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذا هو الذي ذكرنا أن الإسلام تفوق سنة اهتمامه بشأن الاجتماع سائر السنن والطرائق .
5 - بما ذا يتكون ويعيش الاجتماع الإسلامي ؟
لا ريب أن الاجتماع - أي اجتماع كان - إنما يتحقق ويحصل بوجود غاية واحدة مشتركة بين أفراده المتشتتة ، وهو الروح الواحدة السارية في جميع أطرافه التي تتحد بها نوع اتحاد ، وهذه الغاية والغرض في نوع الاجتماعات المتكونة ( غير الدينية ) ، إنما هي غاية الحياة الدنيوية للإنسان ، لكن على نحو الاشتراك بين الأفراد لا على نحو الانفراد ، وهي التمتع من مزايا الحياة المادية على نحو الاجتماع .
والفرق بين التمتع الاجتماعي والانفرادي من حيث الخاصية ، أن الإنسان لو استطاع أن يعيش وحده كان مطلق العنان في كل واحد من تمتعاته حيث لا معارض له ولا رقيب إلا ما قيد به بعض جهاته بعضا ، فإنه لا يقدر أن يستنشق كل الهواء ، فإن الرئة لا تسعه وإن اشتهاه ، ولا يسعه أن يأكل من المواد الغذائية إلا إلى حد ، فإن جهاز الهاضمة لا يتحمله ، فهذا حاله بقياس بعض قواه وأعضائه إلى بعض ، وأما بالنسبة إلى إنسان آخر مثله ، فإذا كان لا شريك له في ما يستفيد منه من المادة على الفرض ، فلا سبب هناك يقتضي تضييق ميدان عمله ، ولا تحديد فعل من أفعاله وعمل من أعماله .
وهذا بخلاف الإنسان الواقع في ظرف الاجتماع وساحته ، فإنه لو كان مطلق العنان في إرادته وأعماله لأدى ذلك إلى التمانع والتزاحم الذي فيه فساد العيش وهلاك النوع .
وهذا هو السبب الوحيد الذي يدعو إلى حكومة القانون الجاري في المجتمع ، غير أن المجتمعات الهمجية لا تتنبه لوضعها عن فكر وروية ، وإنما تكون الآداب والسنن فيها المشاجرات والمنازعات المتوفرة بين أفرادها ، فيضطر الجميع إلى رعاية أمور تحفظ مجتمعهم بعض الحفظ : ولما لم تكن مبنية على أساس مستحكم ، كانت في معرض النقض والإبطال تتغير سريعا وتنقرض ، ولكن المجتمعات المتمدنة تبنيه على أساس قويم بحسب درجاتهم في المدنية والحضارة فيرفعون به التضاد والتمانع الواقع بين الإرادات وأعمال المجتمع بتعديلها بوضع حدود وقيود لها ، ثم ركز القدرة والقوة في مركز عليه ضمان إجراء ما ينطق به القانون . ومن هنا يظهر :