تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
بِالْقِسْطِ
« 1 » . ومن هنا ما نرى أن القرآن يعتني بتواريخ الأمم كاعتنائه بقصص الأشخاص بل أكثر ، حينما لم يتداول في التواريخ إلا ضبط أحوال المشاهير من الملوك والعظماء ، ولم يشتغل المؤرخون بتواريخ الأمم والمجتمعات إلا بعد نزول القرآن ، فاشتغل بها بعض الاشتغال آحاد منهم كالمسعودي وابن خلدون حتى ظهر التحول الأخير في التاريخ النقلي بتبديل الأشخاص أمما ، وأول من سنه على ما يقال : ( أغوست كنت الفرنسي المتوفى سنة 1857 ميلادية ) . وبالجملة ، لازم ذلك على ما مرت الإشارة إليه تكون قوى وخواص اجتماعية قوية تقهر القوى والخواص الفردية عند التعارض والتضاد على أن الحس والتجربة يشهدان بذلك في القوى والخواص الفاعلة والمنفعلة معا ، فهمة الجماعة وإرادتها في أمر ، كما في موارد الغوغاءات وفي الهجمات الاجتماعية ، لا تقوم لها إرادة معارضة ولا مضادة من واحد من أشخاصها وأجزائها ، فلا مفر للجزء من أن يتبع كله ويجري على ما يجري عليه ، حتى إنه يسلب الشعور والفكر من أفراده وأجزائه ، وكذا الخوف العام والدهشة العامة ، كما في موارد الانهزام وانسلاب الأمن والزلزلة والقحط والوباء ، أو ما هو دونها كالرسومات المتعارفة والأزياء القومية ونحوهما ، تضطر الفرد على الاتباع وتسلب عنه قوة الإدراك والفكر . وهذا هو الملاك في اهتمام الإسلام بشأن الاجتماع ، ذلك الاهتمام الذي لا نجد ولن نجد ما يماثله في واحد من الأديان الأخرى ، ولا في سنن الملل المتمدنة ، ( ولعلك لا تكاد تصدق ذلك ) ، فإن تربية الأخلاق والغرائز في الفرد ( وهو الأصل في وجود المجتمع ) ، لا تكاد تنجح مع كينونة الأخلاق والغرائز المعارضة والمضادة القوية القاهرة في المجتمع إلا يسيرا لا قدر له عند القياس والتقدير . فوضع أهم أحكامه وشرائعه ، كالحج والصلاة والجهاد والإنفاق ، وبالجملة التقوى الديني على أساس الاجتماع ، وحافظ على ذلك مضافا إلى قوى الحكومة الإسلامية الحافظة لشعائر الدين العامة وصورها ، ومضافا إلى فريضة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، العامة لجميع الأمة يجعل غرض المجتمع الإسلامي - وكل مجتمع لا يستغني عن غرض مشترك - هي السعادة الحقيقية والقرب والمنزلة عند اللّه ، وهذا رقيب باطني
هامش
( 1 ) سورة يونس ، الآية 47 .