وليس ذلك ( أعني انتقاض القوانين وتفاسد المجتمع وتلاشيه ) ، إلا لأن المجتمع لم يهتم بالسبب الحافظ لإرادات الأمة على قوتها وسيطرتها ، وهي الأخلاق العالية ، إذ لا تستمد الإرادة في بقائها واستدامة حياتها إلا من الخلق المناسب لها ، كما بيّن ذلك في علم النفس ، فلولا استقرار السنة القائمة في المجتمع واعتماد القانون الجاري فيه على أساس قويم من الأخلاق العالية ، كانت كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار . واعتبر في ذلك ظهور الشيوعية ، فليست إلا من مواليد الديمقراطية أنتجها إتراف طبقة من طبقات المجتمع وحرمان آخرين ، فكان بعدا شاسعا بين نقطتي القساوة وفقد النصفة ، والسخط وتراكم الغيظ والحنق ، وكذا في الحرب العالمية التي وقعت مرة بعد مرة وهي تهدد الإنسانية ثالثة ، وقد أفسدت الأرض وأهلكت الحرث والنسل ولا عامل لها إلا غريزة الاستكبار والشره والطمع . هذا .
ولكن الإسلام بنى سنته الجارية وقوانينه الموضوعة على أساس الأخلاق ، وبالغ في تربية الناس عليها لكون القوانين الجارية في الأعمال في ضمانها وعلى عهدتها ، فهي مع الإنسان في سره وعلانيته وخلوته وجلوته ، تؤدي وظيفتها وتعمل عملها أحسن مما يؤديه شرطي مراقب ، أو أي قوة تبذل عنايتها في حفظ النظم .
نعم تعتني المعارف العمومية في هذه الممالك ، بتربية الناس على الأخلاق المحمودة ، وتبذل جهدها في حض الناس وترغيبهم إليها لكن لا ينفعهم ذلك شيئا .
أما أولا : فلأن المنشأ الوحيد لرذائل الأخلاق ليس إلا الإسراف والإفراط في التمتع المادي والحرمان البالغ فيه ، وقد أعطت القوانين للناس الحرية التامة فيه ، فأمتعت بعضا وحرمت آخرين ، فهل الدعوة إلى فضائل الأخلاق والترغيب عليها إلا دعوة إلى المتناقضين أو طلبا للجمع بين الضدين ؟ على أن هؤلاء ( كما عرفت ) يتفكرون تفكرا اجتماعيا ، ولا تزال مجتمعاتهم تبالغ في اضطهاد المجتمعات الضعيفة ودحض حقوقهم ، والتمتع بما في أيديهم ، واسترقاق نفوسهم ، والتوسع في التحكم عليهم ما قدروا ، والدعوة إلى الصلاح والتقوى مع هذه الخصيصة ، ليست إلا دعوة متناقضة لا تزال عقيمة .
وأما ثانيا : فلأن الأخلاق الفاضلة أيضا تحتاج في ثباتها واستقرارها إلى ضامن يضمن حفظها وكلاءتها وليس إلا التوحيد ، أعني القول بأن للعالم إلها واحدا ذا سماء حسن ، خلق الخلق لغاية تكميلهم وسعادتهم ، وهو يحب الخير والصلاح ، ويبغض
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 417
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٤١٧