أولا : إن القانون حقيقة هو ما تعدل به إرادات الناس وأعمالهم برفع التزاحم والتمانع من بينهما بتحديدها .
وثانيا : إن أفراد المجتمع الذي يحكم فيه القانون ، أحرار فيما وراءه ، كما هو مقتضى تجهز الإنسان بالشعور والإرادة بعد التعديل ، ولذا كانت القوانين الحاضرة لا تتعرض لأمر المعارف الإلهية والأخلاق ، وصار هذان المهمان يتصوران بصورة يصورهما بها القانون فيتصالحان ويتوافقان معه على ما هو حكم التبعية فيعودان عاجلا أو آجلا رسوما ظاهرية فاقدة للصفاء المعنوي ، ولذلك السبب أيضا ما نشاهده من لعب السياسة بالدين ، فيوما تقضي عليه وتدحضه ، ويوما تميل إليه فتبالغ في إعلاء كلمته ، ويوما تطوي عنه كشحا فتخليه وشأنه .
وثالثا : إن هذه الطريقة لا تخلو عن نقص ، فإن القانون وإن حمل ضمان إجرائه على القدرة التي ركزها في فرد أو أفراد ، لكن لا ضمان على ضمان إجرائه بالآخرة ، بمعنى أن منبع القدرة والسلطان لو مال عن الحق وحول سلطة النوع على النوع إلى سلطة شخصه على النوع وانقلبت الدائرة على القانون ، لم يكن هناك ما يقهر هذا القاهر فيحوله إلى مجراه العدل ، وعلى هذا القول شواهد كثيرة مما شاهدناه في زماننا هذا ، وهو زمان الثقافة والمدنية ، فضلا عما لا يحصى من الشواهد التاريخية ، وأضف إلى هذا النقص نقصا آخر وهو خفاء نقض القانون على القوة المجرية أحيانا ، أو خروجه عن حومة قدرته ، ( ولنرجع إلى أول الكلام ) :
وبالجملة : الاجتماعات المدنية توحدها الغاية الواحدة التي هي التمتع من مزايا الحياة الدنيا ، وهي السعادة عندهم . لكن الإسلام لما كان يرى أن الحياة الإنسانية أوسع مدارا من الحياة الدنيا المادية بل في مدار حياته الأخروية التي هي الحياة ، ويرى أن هذه الحياة لا تنفع فيها إلا المعارف الإلهية التي تنحل بجملتها إلى التوحيد ويرى أن هذه المعارف لا تنحفظ إلا بمكارم الأخلاق وطهارة النفس من كل رذيلة ، ويرى أن هذه الأخلاق لا تتم ولا تكمل إلا بحياة اجتماعية صالحة معتمدة على عبادة اللّه سبحانه والخضوع لما تقتضيه ربوبيته ، ومعاملة الناس على أساس العدل الاجتماعي ، أخذ ( أعني الإسلام ) الغاية التي يتكون عليها المجتمع البشري ويتوحد بها دين التوحيد ، ثم وضع القانون الذي وضعه على أساس التوحيد ، ولم يكتف فيه على تعديل الإرادات والأفعال فقط ، بل تممه بالعبادات ، وأضاف إليها المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة ، ثم جعل ضمان إجرائها في عهدة الحكومة الإسلامية أولا ثم في عهدة المجتمع ثانيا ،
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 415
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٤١٥