تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠

3 - الإسلام وعنايته بالاجتماع :

لا ريب أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أسس بنيانه على الاجتماع صريحا ، ولم يهمل أمر الاجتماع في شأن من شؤونه ، فانظر إن أردت زيادة تبصر في ذلك ، إلى سعة الأعمال الإنسانية التي تعجز عن إحصائها الفكرة ، وإلى تشعبها إلى أجناسها وأنواعها وأصنافها ، ثم انظر إلى إحصاء هذه الشريعة الإلهية لها وإحاطتها بها وبسط أحكامها عليها ترى عجبا ، ثم انظر إلى تقليبه ذلك كله في قالب الاجتماع ترى أنه أنفذ روح الاجتماع فيها غاية ما يمكن من الإنفاذ ، ثم خذ في مقايسة ما وجدته بسائر الشرائع الحقة التي يعتني بها القرآن ، وهي شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى حتى تعاين النسبة وتعرف المنزلة . وأما ما لا يعتني به القرآن الكريم من الشرائع ، كأديان الوثنية والصابئة والمانوية والثنوية وغيرها ، فالأمر فيها أظهر وأجلى . وأما الأمم المتمدنة وغيرها ، فالتاريخ لا يذكر من أمرها إلا أنها كانت تتبع ما ورثته من أقدم عهود الإنسانية من استتباع الاجتماع بالاستخدام ، واجتماع الأفراد تحت جامع حكومة الاستبداد والسلطة الملوكية ، فكان الاجتماع القومي والوطني والإقليمي يعيش تحت راية الملك والرئاسة ، ويهتدي بهداية عوامل الوراثة والمكان وغيرهما من غير أن تعتني أمة من هذه الأمم عناية مستقلة بأمره وتجعله موردا للبحث والعمل . حتى الأمم المعظمة التي كانت لها سيادة الدنيا ، حينما شرقت شارقة الدين وأخذت في إشراقها وإنارتها : ( أعني إمبراطورية الروم والفرس ) ، فإنها لم تكن إلا قيصرية وكسروية تجتمع أممها تحت لواء الملك والسلطنة ويتبعها الاجتماع في رشده ونموه ويمكث بمكثها . نعم يوجد فيما ورثوه أبحاث اجتماعية في مسفورات حكمائهم من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم ، إلا أنها كانت أوراقا وصحائف لا ترد مورد العمل ، ومثلا ذهنية لا تنزل مرحلة العين والخارج ، والتاريخ الموروث أعدل شاهد على صدق ما ذكرناه . فأول نداء قرع سمع النوع الإنساني ، ودعي به هذا النوع إلى الاعتناء بأمر الاجتماع بجعله موضوعا مستقلا خارجا عن زاوية الإهمال وحكم التبعية ، هو الذي نادى به صادع الإسلام صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فدعا الناس بما نزل عليه من آيات ربه إلى سعادة الحياة وطيب العيش مجتمعين ، قال تعالى :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 410 | السيد حسن القبانچي