أمري ، وقلت في نفسي : هذا القصر عامر عال ، وأنا جائع ولا فائدة لي فيه ، فلو كان خرابا ومررت به لم أعدم رخامة أو خشبة أو مسمارا أبيعه وأتقوت بثمنه ، أو ما علم أمير المؤمنين رعاه اللّه قول الشاعر :
إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ * نصيب ولاحظ تمنى زوالها
وما ذاك من بغض له غير أنه * يرجي سواها فهو يهوى انتقالها
فقال المأمون : يا غلام أعطه ألف درهم . ثم قال : هي لك في كل سنة ، ما دام قصرنا عامرا بأهله مسرورا بدولته .
وأنشدوا في معنى ذلك :
إذا كنت في أمر فكن فيه محسنا * فعما قليل أنت ماض وتاركه
فكم دحت الأيام أرباب دولة * وقد ملكوا أضعاف ما أنت مالكه
صفح وأريحية :
مما حكي ، أنه كان بين غسان بن عباد ، وبين علي بن عيسى عداوة عظيمة ، وكان الأخير ضامنا أعمال الخراج والضياع ببلده ، فبقيت عليه بقية مقدارها أربعون ألف دينار ، فألح عليه المأمون بطلبها وأمهله ثلاثة أيام ، فإن أحضر المال وإلا يضرب بالسياط حتى يؤديه أو يتلف . فانصرف علي من دار المأمون آيسا من نفسه ، وهو لا يدري وجها يتجه إليه ، فدله كاتبه على غسان بن عباد فقال له : على ما بيني وبينه من العداوة ؟ فقال : نعم . فإن الرجل اريحي كريم . فلما دخل على غسان تلقاه بالجميل ، وقال له : إن دخولك إلى داري له حرمة توجب بلوغ ما رجوته مني مع ما بيننا من العداوة ، فاذكر حاجتك . فقص عليه قصته ، فقال : أرجو أن يكفيكه اللّه تعالى ، ولم يزد على ذلك شيئا ، فنهض علي وخرج آيسا نادما على قصده ، غير أنه لم يصل إلى داره حتى حضر إليه كاتب غسان ومعه المال وسلمه إليه ، فأخذه وأسرع إلى دار المأمون ، فوجد غسان قد سبقه إليها ودخل على الخليفة وقال : يا أمير المؤمنين إن لعلي بن عيسى بحضرتك حرمة وخدمة ، وقد لحقه من الخسران في ضمانه ما تعارفه الناس ، وقد توعدته بما أطار عقله ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخفف عنه بعض ما عليه فهي صنيعة ومنّة . ولم يزل يتلطف به إلى أن حط عنه النصف ، فقال غسان : على أن يشرفه أمير المؤمنين بخلعة تقوي نفسه ويعرف بها مكان الرضا عنه . فأجابه المأمون إلى ذلك ، وخرج علي بالخلعة ، ولما وصل إلى داره أرسل إلى غسان عشرين ألف دينار