وكان قال له في جملة ما قال : يا لقيط ، فقال أبو مسلم : مه لسان سبق ، ووهم أخطأ والغضب شيطان ، وأنا جرأتك علي باحتمالك قديما ، فإن كنت للذنب معتذرا فقد شاركتك فيه ، وإن كنت مغلوبا فالعفو يسعك . فقال صاحب مرو : أيها الأمير ، إن عظم ذنبي يمنعني من الهدوء . فقال أبو مسلم : يا عجبا ، أقابلك بإحسان وأنت مسيء . ثم أقابلك بإساءة وأنت محسن . فقال : الآن وثقت بعفوك .
وأذنب بعض كتاب المأمون ذنبا وتقدم إليه ليحتج لنفسه ، فقال : يا هذا قف مكانك ، فإنما هو عذر أو يمين فقد وهبتهما لك ، وقد تكرر منك ذلك فلا تزال تسيء ونحسن ، وتذنب ونغفر ، حتى يكون العفو هو الذي يصلحك . وكان يقال : أحسن أفعال القادر العفو ، وأقبحها الانتقام . وكان يقال : ظفر الكريم عفو ، وعفو اللئيم عقوبة . وكان يقال : رب ذنب مقدار العقوبة عليه إعلام المذنب به ولا يجاوز به حد الارتفاع إلى الايقاع . وكان يقال : ما عفا عن الذنب من قرّع به . قال المأمون لإبراهيم بن المهدي لما ظفر به : إني قد شاورت في أمرك فأشير علي بقتلك ، إلا أني وجدت قدرك فوق ذنبك ، فكرهت قتلك للازم حرمتك . فقال إبراهيم : يا أمير المؤمنين ، إن المشير أشار بما تقتضيه السياسة وتوجبه العادة ، إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث عودته من العفو ، فإن قتلت فلك نظراء ، وإن عفوت فلا نظير لك .
قال : قد عفوت فاذهب آمنا .
ضل الأعشى في طريقه ، فأصبح بأبيات علقمة بن علاثة ، فقال قائده وقد نظر إلى قباب الأدم : وا سوء صباحاه يا أبا بصير هذه واللّه أبيات علقمة ، فخرج فتيان الحي فقبضوا على الأعشى فأتوا به علقمة ، فمثل بين يديه ، فقال : الحمد للّه الذي أظفرني بك من غير ذمة ولا عقد . قال الأعشى : أو تدري لم ذلك جعلت فداك ؟ قال : نعم ، لأنتقم اليوم منك بتقولك عليّ الباطل مع إحساني إليك . قال : لا واللّه ولكن أظفرك اللّه بي ليبلو قدر حلمك فيّ . فأطرق علقمة فاندفع الأعشى فقال :
أعلقم قد صيرتني الأمور إليك * وما كان بي منكص
كساكم علاثة أثوابه * وورثكم حلمه الأحوص
فهب لي نفسي فدتك النفوس * فلا زلت تنمى ولا تنقص
فقال : قد فعلت ، أما واللّه لو قلت فيّ بعض ما قلته في عامر بن عمر لأغنيتك طول حياتك ، ولو قلت في عامر بعض ما قلته فيّ ، ما أذاقك برد الحياة .
قال معاوية لخالد بن المعمر السدوسي : على ما ذا أحببت عليا ؟ قال : على