تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
ولقد حبب إليّ العفو حتى خفت ألا أوجر عليه . لا تثريب عليك . ورد أمواله جميعها إليه . فقال فيه مخاطبا :
رددت مالي ولم تمنن عليّ به * وقبل ردك مالي قد حقنت دمي فإن جحدتك ما أوليت من كرم * إني لباللؤم أولى منك بالكرم
ومن ذلك ما روي من أن الرشيد بن المهدي ، خرج عليه خارجي رام زوال ملكه ، وإفساد دولته ، فجهز له جيشا وأنهض الناس والجند للخروج لقتاله ، فلما توجه الجيش إليه وظفروا به أحضروه إلى دار الخلافة ، فلما دخل على الرشيد قال له : ما تريد أن أصنع بك ؟ قال : اصنع بي ما تريد أن يصنع اللّه بك إذا وقفت بين يديه ، وهو أقدر عليك منك علي ، فأطرق الرشيد مليا ، ثم رفع رأسه وأمر بإطلاقه ، فلما خرج قال بعض الحاضرين : يا أمير المؤمنين ، تقتل رجالك ، وتفني أموالك ، وتظفر بهذا الذي خرج عليك ، وأفسد في بلادك ، وتطلقه بكلمة واحدة ! ! تأمل يا أمير المؤمنين هذا الأمر فإنه يجرىء عليك أهل الفساد . فأمر الرشيد برده ، فلما عاد ومثل بين يديه علم أنه قد سعي به ، وأشير على الخليفة بقتله ، فقال : يا أمير المؤمنين ، لا تطع فيّ مشيرا يمنعك عفوا تدخر به عند اللّه يدا ، ويبعثك على الانتقام الذي ليس من مكارم الأخلاق ، واقتد باللّه تعالى ، فإنه لو أطاع فيك مشيرا ما استخلفت طرفة عين ، وأحسن كما أحسن اللّه إليك . فأمر بإطلاقه وقال : لا تعاودوني فيه .

مثل رائع من أمثلة مقابلة الإساءة بالإحسان :

حكي أن المأمون أشرف يوما على قصره ، فرأى رجلا يكتب بفحمة على حائط قصره ، فقال لبعض خدمه : اذهب إلى ذلك الرجل ، فانظر ما كتب ، وأتني به . فبادر الخادم إلى الرجل مسرعا وقبض عليه ، وقال : ما كتبت ؟ فإذا هو قد كتب بيتين أولهما :
يا قصر جمّع فيك الشؤم واللوم * متى يعشعش في أركانك البوم
ثم إن الخادم قال له : أجب أمير المؤمنين . فقال الرجل : سألتك باللّه لا تذهب بي إليه . فقال الخادم : لا بد من ذلك ، ثم ذهب به ، فلما مثل بين يدي المأمون ، وأعلم بما كتب ، قال له المأمون : ويلك ! ما حملك على هذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه لا يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من خزائن الأموال والحلل والطعام والشراب ، والفرش والأواني والأمتعة والجواري والخدم وغير ذلك مما يقصر عنه وصفي ، ويعجز عنه فهمي ، وإني قد مررت عليه الآن وأنا في غاية الجوع والفاقة ، فوقفت مفكرا في