تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
فقلت : لا واللّه ، ولكن أقول لك الحق : يوم كذا وكذا . فلما علم صدقي تغير لونه واحمرت عيناه وأطرق مليا ، ثم قال : أما أنت فستلقى أبي عند حكم عدل فيأخذ بثأره ، وأما أنا فغير مخفر ذمتي فأخرج عني ، فلست آمن عليك من نفسك ، وأعطاني ألف دينار ، فلم آخذها منه ، وانصرفت عنه ، فهذا أكرم رجل رأيته بعد أمير المؤمنين . قال أمير المؤمنين علي عليه السّلام : « إذا قدرت على عدوك ، فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه » . قال ابن أبي الحديد : أخذت أنا هذا المعنى فقلت في قطعة لي :
إن الأماني أكساب الجهول فلا * تقنع بها واركب الأهوال والخطرا واجعل من العقل جهلا واطرح نظرا * في الموبقات ولا تستشعر الحذرا وإن قدرت على الأعداء منتصرا * فاشكر بعفوك عن أعدائك الظفرا
قال معاذ بن جبل : لما بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى اليمن ، قال : « ما زال جبرائيل عليه السّلام يوصيني بالعفو ، فلو لا علمي باللّه لظننت أنه يوصيني بترك الحدود » . وروي عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم من كان له أجر على اللّه تعالى ، فلا يقوم إلا من عفا » . وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أفضل العبادة أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك » . وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أتى جبرائيل عليه السّلام بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة . قلنا : ما هي يا رسول اللّه ؟ قال : قول اللّه تعالى :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
. « 1 » ودخل معن بن زائدة على معاوية ، فقال له : يا معن كيف حبك لعلي أمير المؤمنين ؟ فقال : أحبه على وجوه كثيرة : على حلمه إذا غضب ، وعلى صدقه إذا قال ، وعلى وفائه إذا وعد ، وعلى عفوه إذا قدر ، وإن رضي لا يخرجه رضاه إلى الباطل ، وإن غضب لا يخرجه غضبه عن الحق ، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له . فالواجب على العاقل توطين النفس على لزوم العفو عن الناس كافة ، وترك الخروج لمجازاة الإساءة ، إذ لا سبيل لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان ، ولا سبب لنماء الإساءة وتهيجها ، أشد من مقابلتها بمثلها . شجر بين أبي مسلم وبين صاحب مرو كلام أربى فيه صاحب مرو عليه ، وأغلظ له في القول ، فاحتمله أبو مسلم وندم صاحب مرو ، وقام بين يدي أبي مسلم معتذرا ،
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآية 199 .