تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
ألطف ، والكريم يجل الكرام ولا يهين اللئام ولا يؤذي العاقل ، ولا يمازح الأحمق ، ولا يعاشر الفاجر ، يؤثر إخوانه على نفسه ، ويبذل لهم ما ملك ، وإذا أعطى أخاه من نفسه الإخاء لم يقطعه بشيء من الأشياء ، قال المقنع الكندي :
فإذا الذي بيني وبين عشيرتي * وبين بني عمي لمختلف جدا إذا قدحوا لي نار حرب بذنبهم * قدحت لهم في كل مكرمة زندا وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم * وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا ولا أحمل الحقد القديم عليهم * وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا وأعطيهم مالي إذا كنت واجدا * وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
قال الشعبي : « إن كرام الناس أسرعهم مودة وأبطأهم عداوة ، مثل الكوب من الفضة يبطىء الانكسار ويسرع الانجبار . وإن لئام الناس أبطأهم مودة ، وأسرعهم عداوة : مثل الكوب من الفخار يسرع الانكسار ويبطىء الانجبار » . ومن رائع ما أثر في العفو عند القدرة ، ما روي عن المأمون أنه لما خرج عمه إبراهيم بن المهدي عليه ، وبايعه العباسيون بالخلافة ببغداد ، وخلعوا المأمون وكان إذ ذاك بخراسان ، فلما بلغه الخبر قصد العراق ، فلما دخل بغداد اختفى إبراهيم بن المهدي ، وعاد العباسيون وغيرهم إلى طاعة المأمون ، ولم يزل المأمون متطلبا لإبراهيم حتى أخذه مستنقبا مع نسوة ، فحبس ثم أحضر حتى وقف بين يدي المأمون ، فقال : السّلام عليك ورحمة اللّه وبركاته . فقال له المأمون : لا سلم اللّه عليك ولا قرب دارك ، استغواك الشيطان حتى حدثتك نفسك بما تنقطع دونه الأوهام . فقال إبراهيم : مهلا يا أمير المؤمنين ، فإن ولي الأمر يحكم في القصاص والعفو ، والعفو أقرب للتقوى ، ولك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم شرف القرابة وعدل السياسة ، ومن تناول الاغترار بما مد له من أسباب الرجاء أمن عادية الدهر على نفسه ، وهجمت به الأيام على التلف ، وقد جعلك اللّه فوق كل ذي ذنب ، كما جعل كل ذنب دونك ، فإن أخذت فبحقك ، وإن عفوت فبفضلك ، والفضل أولى بك يا أمير المؤمنين ثم قال :
ذنبي إليك عظيم * وأنت أعظم منه فخذ بحقك أو لا * فاصفح بعفوك عنه إن لم أكن في فعالي * من الكرام فكنه
فلما سمع المأمون كلامه وشعره ظهرت الدموع في عينيه وقال : يا إبراهيم القدرة تذهب بالحفيظة ، والندم توبة وبينهما عفو اللّه ، وهو أعظم مما يحاول وأكثر مما يؤمل ،