تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
وشكره على جميع فعله معه ، فرفض غسان قبول المبلغ ، وقال لكاتبه : إني لم أشفع له عند أمير المؤمنين إلا لتوفر عليه وينتفع بها . فعلم عيسى فضل غسان عليه ، ولم يزل يخدمه إلى آخر العمر .

كرم وعفو :

يحكى عن معن بن زائدة أنه أتي بجملة من الأسرى فعرضهم على السيف ، فقال له بعضهم : أصلح اللّه الأمير ، نحن أسراك ، وبنا جوع وعطش ، فلا تجمع علينا الجوع والعطش والقتل . فأمر لهم بطعام وشراب فأكلوا وشربوا ، ومعن ينظر إليهم ، فلما فرغوا قال الرجل : أصلح اللّه الأمير ، كنا أسراك ونحن الآن أضيافك ، فانظر ما تصنع بأضيافك . قال : قد عفوت عنكم . فقال الرجل : أيها الأمير . ما ندري أي يوم أشرف : يوم ظفرك بنا أو يوم عفوك عنا ؟ فأمر لهم بمال وكسوة .

المروءة النادرة :

لما أفضت الخلافة إلى بني العباس ، اختفت رجال من بني أمية ، منهم إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك : وكان رجلا عالما أديبا كاملا وهو في سن الشبيبة ، فأخذوا له أمانا من السفاح . فقال له يوما : حدثني عما مر بك في اختفائك . قال : كنت مختفيا بالحيرة في منزل شارع على الصحراء ، فبينما أنا على ظهر البيت إذ نظرت أعلاما سودا قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة ، فتخيلت أنها تريدني . فخرجت من الدار متنكرا ، حتى أتيت الكوفة ولا أعرف أحدا أختفي عنده ، فبقيت في حيرة ، فإذا أنا بباب كبير رحبته واسعة ، فدخلت فيها فإذا رجل وسيم حسن الهيئة على فرس قد دخل الرحبة ومعه جماعة من غلمانه وأتباعه ، فقال : من أنت ، وما حاجتك ؟ فقلت : رجل خائف على نفسه ، وقد استجار بمنزلك ، فأدخلني منزله ، ثم صيرني في حجرة تلي حرمه ، وكنت عنده في ذلك على ما أحبه من مطعم ومشرب وملبس ، لا يسألني عن شيء من حالي ، إلا أنه يركب في كل يوم ركبة ، فقلت له يوما : أراك تدمن الركوب ففيم ذلك ؟ قال : إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبرا ، وقد بلغني أنه مختف أطلبه لأدرك منه ثأري . فكثر واللّه تعجبي ، وقلت : القدر ساقني إلى حتفي في منزل من يطلب دمي ، وكرهت الحياة . فسألت الرجل عن اسمه واسم أبيه ، فأخبرني ، فعلمت أن الخبر صحيح ، وأنا الذي قتلت أباه ، فقلت له : يا هذا قد وجب علي حقك ، ومن حقك أن أدلك على خصمك ، وأقرب إليك الخطوة . قال : وما ذاك ؟ قلت : أنا إبراهيم بن سليمان ، قاتل أبيك ، فخذ بثأرك . فقال : إني أحسبك رجلا قد أمضه الاختفاء فأحببت الموت .