إنك لو استعنتنا لأعناك ، ولو استرفدتنا لرفدناك ولو استرشدتنا لأرشدناك . قال عصام :
فندمت على ما قلت وتوسم مني الندم على ما فرط مني . فقال :
لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
« 1 » ثم قال : أمن أهل الشام أنت ؟ قلت : نعم .
فقال عليه السّلام : ( شنشنة أعرفها من أخزم ) حيانا اللّه وإياك ، إن تبسط إلينا في حوائجك وما يعرض لك ، تجدنا عند أفضل ظنك إن شاء اللّه ؟ قال عصام : فضاقت عليّ الأرض بما رحبت ووددت لو أنها ساخت بي ، ثم انسللت من بين يديه لواذا ، وما على وجه الأرض أحب إليّ منه ومن أبيه » .
وفي أعلام الورى ، تأليف ( الطبرسي ) ، وتاريخ بغداد ، للخطيب البغدادي أن رجلا من ولد آل الخطاب كان بالمدينة ، يؤذي أبا الحسن موسى الكاظم عليه السّلام ، إذا رآه ويشتم عليا عليه السّلام ، فأراد بعض موالي الإمام الوقيعة فيه ، فنهاه الإمام أبو الحسن عليه السّلام أشد النهي . ثم سأل عليه السّلام عن العمري ؟ فقيل له : إن له زرعا بناحية من نواحي المدينة ، فركب عليه السّلام إليه فوجده في زرعه ، فدخل المزرعة وهو راكب على حماره ، فصاح به الخطابي لا تطأ زرعنا ، فوطئه أبو الحسن بالحمار ، ولم يلتفت إذ لم يجد طريقا يسلكه غير ذلك حتى إذا وصل إليه نزل وباسطه في القول ، وسأله عما غرمه في زرعه ، فقال : غرمت مائة دينار ثم سأل عما يرجو أن يصيب منه ، قال : مائتي دينار ، فدفع إليه أبو الحسن ثلاثمائة دينار لما غرمه ولما يرجوه ، وبشره بسلامة زرعه وإنتاجه ما يرجوه ، ففرح العمري بهذا الخلق الكريم الممتزج بالحلم والسخاء والبشارة بنتاج عمله ، فصاح : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته . وقبل رأسه ويده ، وسأله الصفح عما فرط من القول فيه . فتبسم أبو الحسن عليه السّلام وانصرف إلى أصحابه يقول : أيما أحسن ما أردتم أو ما صنعته ؟ إنني أصلحت أمره بالمقدار الذي عرفتم . وهدى اللّه الرجل وصار من مواليه .
من أنبل ضروب العفو مقابلة الإساءة بالإحسان :
لا غرو أن كريم الأخلاق لا يكون حقودا ، ولا حسودا ، ولا باغيا ، ولا ساهيا ، ولا لاهيا ، ولا فاجرا ، ولا فخورا ولا كاذبا ولا ملولا ، ولا يقطع ألفة ، ولا يؤذي إخوانه ولا يضيع الحفاظ ولا يجفو في الوداد ، يعطي من لا يرجو ويؤمن من يخاف ، ويعفو عن قدرة ، ويصل عن قطيعة ، وهو من يلين إذا استعطف . واللئيم يقسو إذا
هامش
( 1 ) سورة يوسف ، الآية 92 .