2 - إذا كان العفو مشجعا له على العود إلى الإساءة .
3 - إذا كان المسئ يتصور حين يعفى عنه ، أنه لم يقم بإساءة ، ولم يصدر منه من المكروه ما يكون العفو معه إحسانا ولطفا .
في هذه المواضع لا يكون العفو جميلا ، وعلى العكس يكون مضرا ، فإذا كان العفو حينئذ لا يؤدي إلا إلى الضرر ، وجب الانتصار والقصاص ورد الاعتداء بمثله ، بموجب قوله تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
« 1 » ، وبموجب قوله تعالى :
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ
( 41 ) « 2 » . وقوله :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
( 126 ) « 3 » .
هذا كله في صورة العمد ، أما إذا كانت الإساءة صادرة على وجه الخطأ ، فالأمر يختلف تماما عن الصورة الأولى ، فهنا لا ينبغي الرد بالمثل ، لأن المفروض أنه لا اعتداء حتى يكون قصاص ، فلا يحسن أن يوجه الرد إليه ، فيعتبر ظلما وتحديا ، ولأجل ذلك عبر الإمام عليه السّلام بهذا التعبير : « فإن لم يكن عمد لم تظلمه . . . » لأنك إذا انتصرت وانتقمت منه تكون قد كافأته عامدا على عمل قام به خاطئا . فالواجب هو الرفق واللطف والرد بألطف وسيلة تقدر عليها .
العفو عن المسئ جماع مكارم الأخلاق :
وحسبك في هذا الباب ما فعله النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مع مشركي قريش الذين آذوه واستهزؤوا به وأخرجوه من دياره وأصحابه ، ثم قاتلوه وحرضوا عليه غيرهم من مشركي العرب ، حتى تمالأ عليه جمعهم ، ثم لما فتح اللّه عليه مكة ما زاد عن أن عفا وصفح ، وقال : ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم . فقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء .
وعن أنس قال : كنت مع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعليه برد غليظ الحاشية ، فجذبه أعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عنقه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ثم قال : يا محمد ، احمل لي على بعيريّ هذين من مال اللّه الذي عندك ، فإنك لا تحمل لي من مالك ولا
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 194 .
( 2 ) سورة الشورى ، الآية 41 .
( 3 ) سورة النحل ، الآية 126 .