ومهمة الإمام في هذا الحقل تربية الضمير وتنقية المجتمع من الشوائب ، من الشر وجرثومة الفساد . ولم يعن إلا القضاء على مرض الأنانية الكامن في النفوس .
هذه من القواعد الفردية والاجتماعية ، التي نشر الإمام أريجها على جميع الناس .
لقد شاهد الحياة بعين حكمته مشحونة بالآلام والكوارث ، ورأى ما نناله بها من راحة لا يعدو رفع الألم ، فخفف من أوزار النفس وأفسح لها مستقبل الأمل لتستطيع اجتياز صراط الحياة بسهولة وأمان . وأعلن أن الأمل رحمة للأفراد في معاشهم ، ورصيد للشعوب التي كبت في ميدان الحياة ، يجدد نشاطها ويطلق ألسنتها ويخلع عليها ثوب ولادة جديدة .
أرأيته وهو يقول : « وحق من أساءك أن تعفو عنه » فإنه أولى بك لما فيه له من القمع وحسن الأدب « فمن يتقدم بالعفو فهو في المقام الرفيع ، وغيره يتقدم بالإساءة فهو في المكان الدون » .
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
« 1 » لا رد الإساءة بالإساءة ، فإن العفو لا يستوي أثره - كما لا تستوي قيمته مع الإساءة والصبر والاستعلاء على رغبة النفس في مقابلة الشر بالشر .
يرد النفوس الجامحة إلى الهدوء والثقة ، فتنقلب من الخصومة إلى الولاء ومن الجماح إلى اللين
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
« 2 » .
وتصدق هذه الظاهرة في الغالبية الغالبة من الحالات ، وينقلب الهياج إلى وداعة ، والغضب إلى سكينة ، والتبجح إلى حياء ، على كلمة طيبة ونبرة هادئة ، وبسمة حانية في وجه هائج غاضب متبجح مفلوت الزمام ! ولو قوبل بمثل فعله ازداد هياجا وغضبا وتبجحا ومرودا . وخلع حياءه نهائيا ، وأفلت زمامه وأخذته العزة بالإثم .
بيد أن الصفح والسماح في حاجة إلى قلب كبير يعطف ويسمح ، وهو قادر على الإساءة والرد . ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم . والقدرة هذه ضرورية لتؤتي السماحة أثرها . حتى لا يصور العفو في نفس المسئ ضعفا ، فيندك ويتلاشى أثره .
وقد يكون العفو ضارا بالمسيء في بعض الحالات :
1 - إذا كان المسئ يتصور العفو صادرا بسبب العجز .
هامش
( 1 ) سورة فصلت ، الآية 34 .
( 2 ) سورة فصلت ، الآية 34 .