الأعرابي : يا بن رسول اللّه مثلك يسأل عن مثلي ، وأنت من أهل العلم والشرف . فقال الحسين عليه السّلام : بلى سمعت جدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : المعروف بقدر المعرفة .
فقال الأعرابي : سل عما بدا لك ، فإن أجبت ، وإلا تعلمت منك ولا قوة إلا باللّه ، فقال الحسين عليه السّلام : أي الأعمال أفضل ؟ فقال الأعرابي : الإيمان باللّه . فقال : فما النجاة من الهلكة ؟ فقال الأعرابي : الثقة باللّه . فقال الحسين : فما يزين الرجل ؟ فقال الأعرابي : علم معه حلم فقال : فإن أخطأ ذلك ؟ قال : مال معه مروءة . قال : فإن أخطأ ذلك ؟ فقال : فقر معه صبر . فقال الحسين : فإن أخطأ ذلك ؟ فقال الأعرابي : فصاعقة تنزل من السماء وتحرقه فإنه أهل لذلك ، فضحك الحسين عليه السّلام ورمى إليه بصرّة فيها ألف دينار ، وأعطاه خاتمه وفيه فص قيمته مائتا درهم ، وقال : يا أعرابي أعط الذهب إلى غرمائك واصرف الخاتم في نفقتك . فأخذها الأعرابي وقال : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته » .
ذكر السيد علي جلال الحسيني المصري في ( كتابه الحسين ) ما نصه : « إن الحسين عليه السّلام كان جالسا في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، بعد وفاة أخيه الحسن عليه السّلام ، وكان عبد اللّه بن الزبير جالسا في ناحية المسجد ، وعتبة بن أبي سفيان في ناحية أخرى ، فجاء أعرابي على ناقة فعقلها بباب المسجد ، ودخل فوقف على عتبة بن أبي سفيان فسلم عليه فرد عليه السّلام ، فقال له الأعرابي : إني قتلت ابن عم لي وطولبت بالدية ، فهل لك أن تعطيني شيئا ؟ فرفع رأسه إلى غلامه وقال : ادفع إليه مائة درهم . فقال الأعرابي : ما أريد إلا الدية تماما . ثم تركه وأتى عبد اللّه بن الزبير ، وقال له مثل ما قال لعتبة . فقال عبد اللّه لغلامه : ادفع إليه مائتي درهم . فقال الأعرابي : ما أريد إلا الدية تماما . ثم تركه وأتى الحسين عليه السّلام ، فسلم عليه وقال : يا بن رسول اللّه ، إني قتلت ابن عم لي ، وقد طولبت بالدية ، فهل لك أن تعطيني شيئا ؟ فقال له : يا أعرابي نحن قوم لا نعطي المعروف إلا على قدر المعرفة . فقال : سل ما تريد . فقال له الحسين عليه السّلام : يا أعرابي ما النجاة من الهلكة ؟ قال : التوكل على اللّه عزّ وجلّ .
فقال : وما الهمة ؟ قال : الثقة باللّه . ثم سأله الحسين غير ذلك ، وأجاب الأعرابي . فأمر له الحسين عليه السّلام بعشرة آلاف درهم ، وقال له : هذه لقضاء ديونك ، وعشرة آلاف درهم أخرى ، وقال : هذه تلم بها شعثك ، وتحسن بها حالك ، وتنفق منها على عيالك .
فأنشأ الأعرابي يقول :
طربت وما هاج لي معبق * ولا لي مقام ولا معشق