وقد مسني فقر وذل وفاقة * وليس لنا شيء يمر ولا يحلي
وما المنتهى إلا إليك معربا * وأين يفر الخلق إلا إلى الرسل
قال : فلما سمع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذلك بكى بكاء شديدا ، ثم قال لأصحابه : معاشر المسلمين إن اللّه تعالى ساق إليكم جزاء ، والجزاء من اللّه غرف في الجنة تضاهي غرف إبراهيم الخليل عليه السّلام ، فمن كان منكم يواسي هذا الفقير . فقال : فلم يجبه أحد ، وكان في ناحية المسجد علي بن أبي طالب عليه السّلام يصلي ركعات التطوع كانت له دائما ، فأومأ إلى الأعرابي بيده ، فدنا منه فرفع إليه الخاتم من يده وهو في صلاته ، فأخذه الأعرابي وانصرف وهو يقول بعد الصلاة على الرسول :
أنت مولى يرجى به من اللّه * في الدنيا إقامة الدين
خمسة في الورى كلهم * وأنت في الورى ميامين
ثم إن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أتاه جبرائيل ونادى : السّلام عليك يا محمد ، ربك يقرئك السّلام ويقول لك اقرأ :
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ( 55 ) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
« 1 » فعند ذلك قام النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قائما على قدميه ، وقال : معاشر المسلمين ، أيكم اليوم عمل خيرا حتى جعله اللّه ولي كل من آمن ، قالوا : يا رسول اللّه ، ما فينا من عمل خيرا سوى ابن عمك علي بن أبي طالب عليه السّلام ، فإنه تصدق على الأعرابي بخاتمه وهو يصلي . قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : وجبت الغرف لابن عمي علي بن أبي طالب عليه السّلام فقرأ عليهم الآية قال : فتصدق الناس في ذلك اليوم على ذلك الأعرابي ، فولى وهو يقول :
أنا مولى لخمسة * أنزلت فيهم السور
أهل طه وهل أتى * فاقرأوا يعرف الخبر
والطواسين بعدها * والحواميم والزمر
أنا مولى لهؤلاء * وعدو لمن كفر
وأنشأ حسان بن ثابت يقول :
علي أمير المؤمنين أخو الهدى * وأفضل ذي نعل ومن كان حافيا
وأول من أدّى الزكاة بكفه * وأول من صلى ومن صام طاويا
فلما أتاه سائل مد كفه * إليه ولم يبخل ولم يك جافيا
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآيتان 55 - 56 .