يعيشون ؟ قال : قد أقطعتك أربعمائة جريب منها مائتا جريب عامر ومائتان غامر . قال :
وما الغامر ؟ قال : الخراب . قال : فأنا أقطعتك أربعة آلاف جريب بالدهناء غامرة . قال :
فقد جعلتها كلها عامرة فهل بقي لك شيء . قال : نعم تدعني أقبل يدك . قال : ليس إلى ذلك سبيل . فقال : ما منعتني شيئا أهون على عيالي من هذا .
قال : وبعث المنصور إلى زياد بن عبد اللّه مالا ، وأمره أن يفرقه في القواعد والأيتام والعميان ، فدخل إليه أبو حمزة الرقي ، فقال : أصلح اللّه أمير المؤمنين ، قد بلغني الكبر فاكتبني في القاعدين . قال : يغفر اللّه لك إنما القواعد النساء اللواتي قعدن عن الأزواج . قال : فاكتبني في العميان فإن اللّه جل ذكره يقول :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
( 46 ) « 1 » وأنا أشهد أن قلبي أعمى ، واكتب ولدي في الأيتام ، فإن من كنت أباه فهو يتيم . قال : اكتبوه في العميان واكتبوا ولده في الأيتام .
قرأت في منشورات ( حمدي عبيد ) : سأل أعرابي فقال : « رحم اللّه امرأ لم تمجج أذناه كلامي ، وقدم لنفسه معاذا من سوء مقامي ، فإن البلاد مجدبة ، والحال مصعبة ، والحياء زاجر يمنع كلامكم ، والعدم عاذر يدعو إلى إخباركم ، والدعاء أحد الصديقين ، فرحم اللّه امرأ أمر بمير ودعا بخير . فقال رجل من القوم : ممن الرجل ؟ فقال : اللهم غفرا ممن لا تضرك جهالته ، ولا تنفعك معرفته ، ذل الاكتساب يمنع من عز الانتساب » .
قدم على زياد نفر من الأعراب فقام خطيبهم فقال : أصلح اللّه الأمير ، نحن وإن كانت نزعت بنا أنفسنا إليك ، وأنضينا ركائبنا نحوك التماسا لفضل عطائك ، عالمون بأنه لا مانع لما أعطى اللّه ولا معطي لما منع ، وإنما أنت أيها الأمير خازن ونحن رائدون ، فإن أذن لك فأعطيت حمدنا اللّه وشكرناك ، وإن لم يؤذن لك فمنعت حمدنا اللّه وعذرناك ، ثم جلس فقال زياد لجلسائه : تاللّه ما رأيت كلاما أبلغ وأوجز ولا أنفع عاجلة منه ، ثم أمر لهم بما يصلحهم .
وقال نصيب لعمر بن عبد العزيز : يا أمير المؤمنين كبرت سني ورق عظمي ، وبليت ببنيات نفضت عليهم من لوني فكسدن علي ، فرق له عمر ووصله .
لزم بعض الحكماء باب بعض ملوك العجم دهرا فلم يصل إليه ، فتلطف للحاجب في إيصال رقعة ففعل ، وكان فيها أربعة أسطر :
السطر الأول : الأمل والضرورة أقدماني عليك .
هامش
( 1 ) سورة الحج ، الآية 46 .