« والذي نفسي بيده . . . » هذا القسم الذي يشعر قارئه عندما يبدأ الحديث ، يشعر برعدة في جسده من جلال ما يقسم به محمد ، وجلال ما يقسم عليه ، وقد يقال : إن القسم الذي يشوبه مدح لذات القدرة الإلهية ، لا يحول دون الاقتصاص من مقسمه إذا كان غير صادق فور إقسامه ، وأما القسم المزيج من تعظيم اللّه والحلف به فلا يعقب الجزاء العاجل لصاحبه إن كان كاذبا ، فالأول كقولك : واللّه المنتقم الجبار ، والثاني يتمثل في قولك : واللّه العلي العظيم .
وقول الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في قسمه هذا : « والذي نفسي بيده » يشعر بأنه يتحدى من يشك في صدقه وإيمانه بما يقول ، وقلما نجده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بادئا قسمه بمثل هذه الكلمات ، إلا في مواطن الإصرار على تبليغ ما يراه ضروريا في الدين ، وأية ضرورة هي أبلغ أثرا في الدين والتمدين من حمل الأمة على النفور في حياتها من الذل ، والإقبال فيه على العز ، إن ذل الأمة الإسلامية منذ تنكرت لهذا الحديث الشريف أصبح ديدنا فيها حتى هذا العصر الذي نرى الأمم كلها فيه متخمة من المادة ، بينما نرى أمتنا راسبة في حمأة الذل والاستعباد ، لا نرى واحدا ولا واحدة ممن يشهد فيها للّه بالربوبية ، ولمحمد بالنبوة إلا وهو يذرع الشوارع مادا يديه بالسؤال مستجديا من يراه من عامة الناس ، أو مادا هاتين اليدين للأجنبي المستعمر وهو يستجدي منه الجاه والمال .
إن عظمة محمد تتمثل في كلمته هذه حتى يومنا هذا ، في الذل الذي يغشى وجوه المسلمين ، وفي الضعف الذي يسيطر على أعصابهم ؛ وفي الهوان الذي يهيمن على كيانهم من أعرق المهن فيهم ، وهي الاستجداء باليد من الناس وهدر الكرامة في سبيل العيش الدنيء ، إن محمدا كان يعلم أنّا سنؤول إلى ما نحن فيه من وراء الفقر ، وما سنؤول إليه من الفقر والبؤس والذل من وراء الجهل ، لذلك قال : « اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد » ، قبل أن يقول : « والذي نفسي بيده لأن يحتطب أحدكم على ظهره ، خير من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه » ، لأنه أدرك بفطرته القائمة على الحق أن العلم يعصم الأمة من الفقر القائم على الجهل والمفضي بها إلى ذل السؤال آخر الأمر .
هذا السؤال الذي حرمه اللّه علينا ، والذي شدد محمد رسوله النكير على مرتكبه بقوله في صدر هذا البحث .
أقول : إن هذه المهنة المهينة أصبحت في أمة محمد ، وفي عصر ازدهار الأمم
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 356
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٥٦