تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
الأحذية وكنس الأزقة وحمل المتاع ، ثم لم يمر بهم بضع سنين حتى رأيناهم يأخذون بأوفر المهن عزة وثراء ، ذلك لأنهم كانوا أول ما نزلوا بيروت والشام وبغداد أسسوا المدارس المهنية ، التي أغنتهم في أقل من ربع قرن عن كل حرفة وضيعة ، ونافسوا كبار التجار وأصحاب الشركات والمهن من أهل البلاد . فما الذي حدا بالأرمن واليهود أن لا يمدوا أيديهم للاستجداء ، وأصبح هذا الاستجداء وقفا علينا نحن أمة محمد ، ومحمد هو هذا الذي صرخت كلمته أو كلماته ، القائمات على طلب العز والكرامة لنا ؟ ؟ فما هو السر في ذلك يا ترى ؟ ؟ السر هو أن عقولنا لم تفقه الإسلام ، وأن قلوبنا لم تستشعر العز القائم عليه ، إن فرقان محمد لا يزال إلى اليوم يعلمنا الحياة بأسمى معانيها ، ويضع نصب أعيننا وسائل الإشراف عليها ، ثم يشق الطريق المفضية بنا إليها ، ونحن سادرون في الغي عامة ، وقاصرون على السفاسف من تراثنا الزائف خاصة . ولعلي مررت في هذا السفر ، بقول الإمام الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية ، مجيبا سائله عن سبب رقي أهل الكتاب وانحدار المسلمين ، فقال : « إن أهل الكتاب تركوا دينهم فترقوا ، وتركنا ديننا فهبطنا » ولقد صدق الإمام بما قال ، لأن ديننا قائم على الناموس الأعظم الذي يهيمن اللّه به على استقامة الوجود ، فهو إذن حافل بأسباب الرقي ، وأما دينهم فلا قانون يضبطه ولا تشريع يهيمن عليه ، كنت أرى الأرمني في بيروت ، حين يستجدي - وهو نادر - لا يلبيه أرمني أبدا ثم لا يخاطبه إلا بقوله : ( سأشكوك إلى جمعية التعاون الأرمنية التي تضمن لك النجاة من هذا العار ) . بينما أرى المسلم عندما يستجديه المسلم يبره بالدرهم أو الدرهمين ، أو يدعو له اللّه بالعون ، ثم لا أسمع منه كلمة تأنيب له ، وقد يكون السائل أغنى من المسؤول ، ولكنه ورث عن مضرب الأمثال ( جحا ) قوله : ( لقد مارست كل مهنة فلم أجد أرفق بي من الاستجداء ، لأن الذي أستجديه إن لم يغثني يدعو لي بالغوث ) ، وما أكثر الأمثال التي تقدمها صحافة اليوم للناس ، عن الكنوز التي يملكها السائلون ، ولولا أن نشق على القارئ لأوردنا طرفا منها ، فإن فيها الطريف النادر من أسرار هذه المهنة التي مني بها الإسلام في عصر النور . إن عظمة هذه الكلمة التي يراها القارئ عنوان هذا البحث ، أقول : إن عظمتها في نفس محمد لا يدركها إلا من شاعت في نفسه روح محمد ومن نضجت في رأسه فكرة محمد ، وإلا من عز في قلبه دين محمد ، هذه العظمة تتجلى في قوله عليه السّلام .