الذي اكتسبته بيمينك ، ويريد أن يصدك عن حظك الذي قسم لك ، ويحول بينك وبين الانتفاع من هذا المال في التقرب به إلى اللّه . فإذا عرفت ذلك منه رددته عنك ردا جميلا ، ونصحته مخلصا ، وأرشدته إلى ما يصلح له ، وردعته عما اعتاد عليه من السؤال والاستجداء من غير حاجة ومن غير ضرورة .
وأما حق المسؤول فما يعطيه فهو فضل منه وامتنان ، يجب أن يشكر ويعرف معروفه ، لأنه قد أسدى يدا وعلى اليد الشكران .
وليس من حق السائل أن يستقل ما أعطي ، فليس هذا أدب الشكر ، إنما هو نكران الجميل وجهل المعروف ، وإذا لم يكن عند المسؤول شي يعطيه أو لا يريد أن يعطي ، فليس للسائل أن يذمه ويلومه ويجهل عليه ، إذ لم يرتكب المسؤول خطيئة ولم يقترف إثما ، كل ما في الأمر أنه منع ماله وهو مسلط عليه يفعل به ما شاء في حدود الشرع ، فليس لأحد عليه أمر ولا نهي في ماله الخالص الذي اكتسبه عن طرقه المشروعة .
* * * قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « والذي نفسي بيده ، لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب على ظهره ، خير له من أن يسأل أحدا أعطاه أو منعه » .
قال صاحبي وهو يتحدث إلي على عادته في الحديث معي : « قال » وحديث آخر هو في معناه : « ما يزال الرجل يسأل الناس ، حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم » هذا من جلال نبوته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، هذه النبوة التي نزل بها على قلبه روح القدس ليرفع الإنسانية من حضيض الهوان إلى ذروات العز .
أذكر أنّا كنا جماعة في منزل وجيه من أهل بلدي ، وإذا بشابين شديدي السواعد يدخلان ، وعلى رأسيهما شعار النسب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولما استقر بهما المجلس أبرزا لي وثيقة تثبت نسبهما ، وأنهما يستحقان الخمس ، وقد وقّع كثير من الفقهاء على الوثيقة ، وهي موجهة إلى المؤمنين . قلت لهما : لقد دخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم شاب في مثل سنكما يستجديه ، فجمع بضعة دراهم واشترى له حبلا وقال : اذهب واحتطب ، ثم التفت إلى أصحابه فقال : « لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه » فهل بلغكما هذا الحديث ! ؟ وهل أرضيتما جدكما بهذا الشباب المفتول الساعد مع الاستجداء ؟ إن من وقع لكما على هذه الوثيقة ، إما أن يكون حظه من الفقه كحظكما من النسب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وإما أن يكون من محتكري حقوق اللّه لنفسه .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 353
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٥٣