بالمال والعلم ، أصبحت من المهن الحرة التي تسيطر على نفوس الملايين من أمة الإسلام ، وأصبح المسلمون يتفننون فيها ، فاسمع ما ترويه بعض الصحف عن بعض من أثرى إلى حد التخمة في الغنى ، وهو مقعد كفيف ، وليس فيه قعدة ولا كفة ، أي إنه سليم البصر وسليم الرجلين ، يرى ويمشي كما يرى ويمشي من لا عاهة فيه .
تروي هذه الصحيفة : إن سائلين في الشام ملّا كثرة السؤال وقلة الإنتاج ، فبدا لأحدهما أن يزور مصر يمارس هذه المهنة ، وبقي الثاني في الشام على أن يلحق به إذا كتب له يخبره بنجاح مهمته .
وتمضي الأيام فإذا بالفقير الشامي يتلقى دعوة من زميله في مصر لزيارته ، وأن مهمته أفلحت ، ويزور هذا ذاك على عنوانه فلم يجد إلا مقعدا عاصبا عينيه على ناصية الشارع فيسأله عن زميله فيجيبه : أنه يعرفه وأنه سيوصله إليه ويركبان معا إلى قصر ذي حديقة غنّاء ويفتح المقعد باب القصر ويدخله بهو الضيوف ، ثم يستأذنه ريثما يأتيه بصديقه ، وبعد فترة قصيرة يدخل صديقه مرحبا به وعليه مظاهر النعمة السابقة ، ويتبادلان التحية والذكريات ، ومن خلال حديثه عرف أنه هو المقعد المعصوب العينين الذي قاده ، فقال له : أحب أن تطلعني على بعض الطرق التي أفلحت بها في مصر ، فقال له : تلاقيني غدا في صلاة الجمعة على باب الجامع الأزهر .
ولدى الظهيرة كان صاحبنا الشامي في الجمع المحتشد للصلاة ، وإذا بضجة تعلو في المصلين وإذا بأحدهم يصيح بأعلى صوته قائلا : افتحوا طريقا للأمانة يؤديها مقعد أعمى للإمام ، ويفسح الناس له فإذا هو زميله وفي يده بدرة من المال زحف بها إلى المنبر ، وسلمها للإمام وهو يقول : لقد وجدتها مع الفجر حيث أجلس صباح كل يوم للسؤال ، وقد جئت بها إليك لتنادي عليها في الناس ، ويتحول الإمام من خطاب الجمعة إلى خطاب آخر ، ويتحول المصلون من راكعين ساجدين إلى ثناء على حامل الأمانة ومؤديها إلى أهلها ، وهو فقير مدقع ويندفعون جميعا لبره حتى ملأ جيوبه .
وبعد أن صلى الإمام بهم وأوشك الجمع أن ينفض ، إذا بصائح آخر ينادي قفوا وأفسحوا الطريق لصاحبة الأمانة ، ونظر صاحبنا الشامي فإذا بامرأة تولول وتصخب وتنادي بالويل والثبور ، أنها فقدت بدرة فيها مائة دينار من الذهب وأن ملتقطها سلمها للإمام ففتحها الإمام ووجدها كما ادعت فسلمها إياها ، وعاد صاحبنا الشامي وهو يسر في نفسه أنه زميلي وأن المرأة زوجته ، وأن الصائح بالناس ليفسحوا الطريق هو ابنه ،
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 357
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٥٧