ويعترض بعض شهود المجلس بأنهما صحيحا النسب وأن كرامة جدهما تقتضي إكرامهما ، فزجرته وقلت له : إنك تسيء إلي بأن ترى ولدي يستجدي ولا تهينه ، فكيف تقبل الإهانة لرسول اللّه ؟ ! إن محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا يريد الإهانة لمسلم قط إذ يقول : « لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه » ، فهل يقبل المذلة بالسؤال لأهل بيته ، وقد حرم عليهم الصدقات ؟ فلو كان فيهما عجز بأن كانا في عمى أو عرج أو مرض أو شيخوخة لبادرنا إلى تلبيتهما ، ولكنهما كما ترى متمتعان بأجود مما نتمتع به من صحة .
قال أحدهما : لقد أجريت عملية القرحة ، قلت : وما ذا في ذلك ؟ فاسأل كل هؤلاء وحتى هذا الذي يدافع عنك - وهو ابن أخي - هل سلم أحدهم من العمليات ! ؟
فهل نبيح لهم الاستجداء ونرضى لهم الذل به ! ؟ إن هذا ليس من الإسلام في شيء ، فاذهبا وامتهنا أية حرفة تغنيكما عن الحرفة التي لم يرض بها اللّه ولا رسوله لكرامة الإنسان ، وبعد انفضاض المجلس واجتماعهم لدي في المساء ، أعرب أكثرهم عن صحة ما أفضيت به ، وقلت لهم : إذا جاء البلد أحد من هذا القبيل ، فأرشدوه إلى المختار ، وليقم المختار بواجب البحث عن السائل واستحقاقه ، ثم إذا رآه مستحقا فليعمل على إسعافه بالعدل ، فإن في البلد فقراء والأقربون أولى بالمعروف ، وعند كل منا أرحام فقراء ، وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا صدقة وذو رحم محتاج » .
كم يؤلمني ويؤلم كل مسلم فقه الإسلام واضطلع بعبئه ، أن نرى الفقر المدقع يدفع المسلم وحده للاستجداء بشكل فاضح ، وبشكل يخجل الناظر إليه وهو يمد يده للسؤال والذلة تغمر وجهه بالتراب ، ثم لا نجد غير المسلم يتحمل هذا اللون من الذل ، فإذا مر القارئ بأي شارع من أية مدينة ، يجد الذل والاستجداء قاصرين على المسلم ، ذلك لماذا ؟ ؟ أفليس رسولهم هو الذي شرع لهم العزة والكرامة من وراء العلم ؟ ؟ أوليس محمد هو الذي غضب إذ رأى الشاب المستجدي وأعطاه الحبل ليحتطب ويدع السؤال ؟ أهذا هو رسول المسلمين ؟ أم رسول اليهود والنصارى الذين وصلوا بفضل علومهم إلى القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، ينفقونها علينا في سبيل الإنسانية ؟ ؟
أذكر أن طائفة الأرمن التي طردها مصطفى كمال - عاهل الترك - من بلاده ، لأنها تواطأت مع الأجانب أيام حربه معهم ، وكان الأرمن يعملون في داخل تركيا على الضرب من الوراء ، ولما طردهم أتاتورك تلقتهم الحلفاء من دول الاستعمار ( بريطانيا وفرنسا ) ووزعوهم على العراق وسوريا ومصر ولبنان ، وكنا نراهم في أذل حال من الفقر مطرودين مشردين ، وعملوا في أحقر المهن حتى زاحموا الفقراء منا على صبغ
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 354
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٥٤