بحث الناس كثيرا في أمر تفضيل التربية في العائلة ، أو في المدرسة ، فلو أمكن العائلة التفرغ لها لفضلت التربية فيها ، ولهذا يفتقر الأكثرون إلى إرسال أولادهم إلى المدارس لكي يحصلوا فيها تربية مفيدة لهم وموافقة لمذهب والديهم ومشربهم .
ولا يخفى ما بين المدارس الكثيرة من الاختلاف من هذا القبيل ، ولذلك طالما تحير الوالدان في انتخاب مدرسة لأولادهم ، تحمل عنهم أثقال المسؤولية في هذا الباب ، وتكسب أولادهم ما يجعلهم قادرين على القيام بما تقتضيه أحوالهم الحاضرة والمستقبلة ، وتكسبهم رضى والديهم ، وقبولا في الهيئة الاجتماعية بحيث يكون من فاز بتربية كهذه ، قادرا على القيام بوفاء واجباته في أحواله المختلفة ، كأب وزوج وابن وصديق .
ومن شأن المدارس الجيدة أن تربي الأولاد تربية حسنة وتغرس في عقولهم مبادئ جيدة ، وتجعل في عاداتهم تثقيفا وتقوى .
من شأنها أن تجعلهم قادرين عند دخولهم في الهيئة الاجتماعية على دفع ما هناك من الفساد والخلل الأدبي ، والأضاليل والأخلاق المغايرة والاجتهاد في إصلاحها ، لأن الرذائل والمنكرات والفساد وما شاكل ذلك ليست هي دائما ، كما يظن ناشئة عن طبيعة فاسدة ، بل كثيرا ما تنشأ عن سوء تربية ، فحيثما أدت التربية إلى اعتبار الأدب والظرف واحترامهما وحبهما ، تولدت الفضائل من نفسها ، وحيثما أدت إلى ما يخالف ذلك ، وعدم المبالاة بارتكاب الشرور والمعاصي ، نما الشر وصار معديا .
والهيئة الاجتماعية تنهض أو تسقط بحسب مبادئ التربية في أفرادها ، وبحسب صرامة ناموس التربية وسهولته في تهذيب الأخلاق ، وإطلاق عنان الحرية للنفس في اتباع أهوائها ، وهكذا الحال في أمر العيال ، فإن ما يصادفها من النكبات وسقوطها أدبيا وماديا ، ينشأ غالبا من سوء تربية أولادها ، فإذا ربت أولادها في الكسل والرخاء تكون كأنها قد ربتهم لكي يسقطوا ، لأن إطلاق العنان في التنعم والترف في التربية من شأنه أن ينزع من النفس أخلاق المروءة والنخوة ، فإذا حان وقت كسب المعاش بالشغل والكد ، يكون من تربى بنعيم مستمر يظنه خالدا ، قد تكون في عيشة البذخ والكسل فلا يكون ذا نشاط وذكاء ، بل طالما يخبط خبط عشواء في استهلاك ثروته ، فيفضي به الأمر إلى حالة الاملاق والحقارة . وطالما نرى الناس يبذلون مجهودهم في المحافظة على صحة أولادهم ، وراحتهم من كل وجه ويهملون تهذيب نفوسهم واستخدام الوسائل التي من شأنها تقويمهم وإكسابهم الراحة في مستقبلهم الأدبي تاركين ذلك لعناية الطبيعة .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 346
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٤٦