تفتقر إلى وسائط كثيرة ومختلفة أيضا ، ومرجعها جميعها إلى الإنسان من حيث هو مخلوق أدبي ذو قوى عقلية .
وللتربية مبادئ ونواميس توافق طبيعة الإنسان ، إلا أنها لا تقدر من نفسها أن تتيح كل النتائج المطلوبة . والإنسان يحتاج إلى الإنسان من بلوغ الوسائط المكملة له ، ولذلك كان فصل التربية عن أحوال الهيئة الاجتماعية ، بأن يربى الولد في حالة الاعتزال ، كأنه قضي عليه بعيشة متوحدة مغايرا لحقوق الإنسانية ، ومع ذلك قد جرى عليه ( روسو ) ، إذ جعل تلميذه يعتزل عن مخالطة الناس ومعاشرتهم ، وكذلك جرى كثيرون في تربية الأولاد في القرن الثامن عشر .
ومما تأباه طبيعة الإنسان في هذا العصر الانقياد إلى فكر غيره ورأيه ، دون فكره ، وبناء على ذلك قد رأى البعض أن التربية يجب أن تكون مطلقة غير مقيدة بقيد الاعتقاد الخصوصي السابق والإيمان التسليمي والقوانين المقبولة ، فصاروا يربونه تربية توافق رأي ومذهب كل منهم ، ثم يتركون له حرية لكي يختار بعد ذلك بحكم عقله ما يراه موافقا لطبيعته الأدبية . على أن الكثيرين قد خطّأوا هذه النظرية ، وذهبوا إلى أن من شأن تربية كهذه ، أن تزرع في عقول الأولاد أوهاما فاسدة وتوقعهم في ورطات الضلال وفساد الآداب حتى لا نقول : الدين ، وأن مبادئ التربية ونواميسها منحصرة في الدين فقط ، وأنه بدون الدين لا يكون للتربية أساس صحيح ، ويردون بعبارات قوية على ذلك النوع من التربية . وعلى الذين يذهبون إلى أنه لا يجوز أن يكون للدين سلطة على الولد في تربيته ، ولا لخدمته حق في تعاطي تربية الأولاد ، بل يجب أن يكون حق تولية ذلك منحصرا في السلطة المدنية .
ولا يخفى ما في الرأيين المتقدمين من التطرف والإخلال في تربية من نقصد أن يكون في مستقبله عضوا مهما للهيئة الاجتماعية ، باعتبار كونها دينية ومدنية ومعشرية ، وعلى ما نرى أن الإنسان إذ كان موضوعا في هذه الحياة للأحوال التي تقتضي مراعاة الأمرين ، ( أي الدين والسياسة ) ، كان لا بد من أن يجتمع فيه الطرفان بطريقة معتدلة موافقة من كل وجه للأحوال التي تقتضيها ظروف التربية ، ولذلك نرى أن البلدان المتمدنة التي جعلت التربية في المدارس من حقوق الحكومة ورفعتها من يد خدمة الدين ، رأت من مقتضيات الحال ، أن تكون هيئة تلك المدارس بحيث يستطيع الولد برضى والديه أن يكتسب تربية دينية مع التربية الزمنية ، وبذلك يتخلص الولد من التعصب الذي من شأن بعض المدارس الدينية المحضة أن تغرسه في عقله ، بحيث
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 344
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٤٤