تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
وسائل التأديب ، فليس ترك الطفل والغض عنه نهائيا بشيء صحيح ، كما أنه لا يؤخذ بالالتزام بكل ما يرتئيه الأبوان ، فكلا الأمرين خطأ ، إنما الصحيح هو الوسط الذي استعرضه الإمام عليه السّلام في هذه الظاهرة . ومن المعلوم أن الصبي بحاجة إلى تربية بدنية جيدة ، وتربية نفسية صحيحة ، وتربية ثقافية تعنى بعقله وتفكيره . قال الشيخ الرئيس ابن سينا في كتابه ( السياسات الأهلية ) في باب سياسة الرجل ولده : « فإذا فطم الصبي عن الرضاع بدأ بتأديبه ورياضة أخلافه قبل أن تهجم عليه الأخلاق اللئيمة وتفاجئه الشيم الذميمة . فإن الصبي تتبادر إليه مساوىء الأخلاق . . . فينبغي لقيم الصبي أن يجنبه مقابح الأفعال ، وينكب عنه معايب العادات بالترهيب والترغيب ، والإيناس والإيحاش ، وبالإعراض والإقبال ، بالحمد مرة وبالتوبيخ أخرى ما كان كافيا » .

التربية

عبارة عن طريقة يتوصل بها إلى نمو قوى الإنسان الطبيعية والعقلية والأدبية ، فينطوي تحتها ظروف التعليم والتهذيب التي من شأنها إنارة العقل وتقويم الطبع وإصلاح العادات والمشارب ، وإعداد الإنسان لنفع نفسه وقريبه في مراكزه الاستقبالية ، والاعتناء به في الحالة التي يكون فيها قاصرا عن القيام بالاعتناء بنفسه . ولا يخفى أن الولد يشبه بالغصن الرطب تميل به الأهواء كيفما مالت ، ولهذا يجب الاعتناء بتدبيره وتدريبه وتهذيبه وتقويمه . وهو بذلك يختلف عن الحيوانات العجم التي لا تحتاج طبعا إلا إلى القوت ، وبهذه الخلة يقوم فضل الإنسان عليها ، فإنه مخلوق أدبي لا يمكن نمو قواه الأدبية إلا بفعل ممتاز عن الفعل الذي يؤثر في بيئته ، ولا يمكن التوصل إلى استعمال عقله إلا تدريجيا وببطء ، وذلك لا من تلقاء نفسه بل من قوة خارجية ، فيفتقر إلى أن يكون له اتصالية عقلية مع أبناء جنسه الذين وصلوا إلى ذلك قبله بنفس الوسائط التي يجب استعمالها نحوه ، وتلك الاتصالية لطيفة ونشيطة ، وتتبع نمو القوى الطبيعية الذي يكون أيضا تدريجيا وببطء ، وتربية الإنسان هي أعظم الأعمال وأشرفها ، لأنها مع دلالتها على عجزه تدل في الوقت نفسه على سموه ونفس ضعفه شاهد يشهد للعظمة والاقتدار . فالتربية والحالة هذه ليست عبارة عن تقويم جسم آلي فقط بل عن تقوية نفس عاقلة أيضا ، ولذلك كانت الأمور التي تقوم بها كثيرة ومختلفة