يصير غير قادر على أن يكون عضوا متصفا بالصفات التي تقتضيها حالته ، بالنظر إلى تعلقه مع غيره من أبناء جنسه ، ويتخلص من ورطة التهور في الكفر والضلال وفساد الآداب التي يتلقاها في بعض المدارس المدنية المحضة ، والتي من شأنها أن تجعله ليس فقط قاصرا عن إيفاء حقوق جنسه ، وفي صالح بلاده وطائفته .
ثم إن التربية تبتدىء في العائلة ، وهناك لا دخل للسياسة ، ولا لأصحاب الآراء الفلسفية ، وتكون السلطة فيها للأب والأم ، وهذه السلطة ليست مؤسسة على قوة جبرية أو سيادة سياسية ، بل على مبادئ المحبة التي تربط الولد بوالديه ، فيتعلم بعنايتهما كيف يصير رجلا ، ولا يجب التوهم بأن تركه لحرية الطبيعة كاف لصيرورته كذلك ، ولا يسلم لمن قال : إن طبيعة الولد غير شريرة ، لأن ذلك يكذبه الاختبار ، وكل عاقل يعلم أن ولده يحتاج إلى المساعدة في تقويمه والنهوض به عند سقوطه ، وهذا هو الأساس الذي تبنى عليه أركان التربية ، فإننا نرى أن الوالدين وعلى الخصوص الأم يقاسيان صعوبات كثيرة في تربية أولادهما ، ويفتقران إلى التمليق والتأديب ، وأحيانا الحيل في ذلك ، ومهما كانت أخلاق العائلة مرضية وتصرفاتها مستقيمة ، لا تستغني عن مساعدة الدين في هذا الأمر ، فبالدين يعرف الولد متى وصل إلى سن معلوم ، أن فوق سلطة والدية سلطة أعلى وأسمى ، وبذلك يكون للتربية قوة عظمى لتقويم الطبيعة المعوجة ومحاربة الميول الشريرة ، والحث على القيام بالواجبات والشعور بتولد الفضائل ونموها داخل قلبه . وهذا ما جعل الأكثرين يذهبون إلى أن الديانة هي المبدأ الأقوى والأسلم للتربية ، لأنها تأتي الولد في مهده وتبارك مدخله في ميدان الحياة ، ثم تتبعه بعد ذلك خطوة فخطوة ، وتشجعه وتدربه وتنير عقله لقبول التعاليم السامية ، وتكشف له حقائق لم ينتبه إليها أسمى العقول البشرية . وإن فعل الديانة هذا ، يرافق كل الأعمال التي تقوم بها تربية الولد من دون أن يضر بواحد منها ، وأن الديانة يجب أن تكون دائما مرافقة لهذا العمل العظيم الديني والدنيوي معا ، وبذلك يتضح الفرق بين التعليم والتربية ، فإن الرجل المتعلم قد لا يكون حسن التربية ، والرجل الحسن التربية قد لا يكون متعلما ، وكمال التربية يقوم بمزج العلم بالأدب ، فهذا هو العلم المتحد بالفضيلة ، وهذا هو تثقيف العقل المقرون بتثقيف الطباع .
فمن الأمور المهمة والضرورية للتربية ، استخدام أناس لها يليقون بها . هذا وإن تربية الأولاد في الأخلاق وتعليمهم الفنون والعلوم من الأمور المهمة ، وأما تربيتهم في الدين فمن الأمور الضرورية التي يطالب الآباء والمربون إذا أهملوها أي مطالبة . وقد
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 345
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٤٥