تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
من قوسه الكبر . أريق ماء شبابه ، واستشن أديمه . كسر الزمان جناحه ، ونقض مرته . طوى الدهر منه ما نشر ، وقيده الكبر . يرسف رسفان المقيد ، هو شيخ مجتث الجثة ، واهي المنة ، مغلول القوة ومفلول الفتوة . ثقلت عليه الحركة واختلفت إليه رسل المنية . ما هو إلا شمس العصر على القصر . أركانه قد وهت ومدته قد تناهت . هل الغاية منزلة ، أو بعد الشيب سوى الموت مرحلة ؟ ما الذي يرجى ممن كان مثله في تعاجز الخطا ، وتخاذل القوى ، وتداني المدى والتوجه إلى الدار الأخرى ، أبعد دقة العظم ، ورقة الجلد ، وضعف الحس ، وتخاذل الأعضاء ، وتفاوت الاعتدال ، والقرب من الزوال . والذي بقي منه ذماء يرقبه المنون بمرصد ، وحشاشة هي هامة اليوم أو غد قد خلق عمره ، وانطوى عيشه ، وبلغ ساحل الحياة ، ووقف على ثنية الوداع ، وأشرف على دار المقام ، فلم يبق إلا أنفاس معدودة ، وحركات محصورة نضب غدير شبابه . قيس بن عاصم : الشيب خطام المنية . أكثم بن صيفي : المشيب عنوان الموت . الحجاج بن يوسف : الشيب نذير الآخرة . غيره : الشيب نوم الموت . العتبي : الشيب مجمع الأمراض . العتابي : الشيب نذير المنية . محمود الوراق : الشيب أحد الميتتين . ابن المعتز : الشيب أول مواعد الفناء . غيره : الشيب قناع الموت . الشيب غمام قطره الغموم . الشيب قذى عين الشباب . * * * فلنعد الآن إلى صلب الحديث من قول الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن من إجلال اللّه إجلال ذي الشيبة » . الشيب : هو تبدل سواد شعر الإنسان بالبياض الناصع . وهذا اللون كاشف عن بلوغ الإنسان الغاية ووصوله النهاية . فدرجة الشيخوخة ، آخر خطوة للإنسان المخلوق للفناء فإذا تبدلت الشعرات السود بالبياض ، فينبغي لمن لاحت في عارضيه وعلم أنها نذير عمره الفاني ، وأنها افتراق روحه عن جسده أن يدأب في الطاعة المقربة له من الجنة ، ويتجنب المعصية المشرفة به على النار ، وأن يتهيأ بأحسن هيئة ويستعد بأجمل استعداد المسافرين في أسفارهم والراحلين عن أوطانهم ، فإن سفره من أعظم الأسفار وخطر رحلته من أهم الأخطار . ثم الواجب على من لم يبلغ تلك النقطة ، ولم يصل بمسراه إلى تلك الخطة ، أن يعظم ذا الشيبة ويحترمه أعظم احترام ، ويبجّله أحسن تبجيل ، وذلك ( أي احترام ذي الشيبة ) مما ندب إلى حسنه العقل والنقل .