غيره ، وكبير قد أخذ الدهر من عقله كما أخذ من جسمه ) ، وقال لقمان لابنه : « يا بني استنصح من جرب الأمور ، فإنه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلا ، وتأخذه أنت بالمجان » .
وإذا عرفت أن طاعة الناصح الموصوف بالصفات المذكورة مستلزمة في أغلب الأحوال للسرور بحسن ثمرة رأيه والفوز بها ، لا جرم كانت معصيته ومخالفة رأيه مستلزمة للحسرة مستعقبة للندامة .
وقد شهد التاريخ على جماعة تركوا نصيحة الناصح ، فأصيبوا بالعطب الدنيوي والديني :
منهم يزيد بن المهلب الأزدي :
نصحه ( فيروز بن حصين ) على أن لا يضع يده في يد الحجاج ، فلم يقبل منه ، فسار إليه فحبسه وحبس أهله ، فقال فيروز بن حصين :
أمرتك أمرا حازما فعصيتني * فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
أمرتك بالحجاج إذ أنت قادر * فنفسك أولى اللوم إن كنت لائما
فما أنا بالباكي عليك صبابة * وما أنا بالداعي لترجع سالما
ومنهم عبد اللّه بن الصمة ( فارس هوازن ) :
قال ابن عبد ربه في ( العقد الفريد ) : أغار عبد اللّه بن الصمة على غطفان فأصاب منهم إبلا عظيمة فأطردها ، فقال له أخوه دريد : النجاء فقد ظفرت . فأبى عليه وقال : لا أبرح حتى أنتقع نقيعتي . والنقيعة ناقة ينحرها من وسط الإبل ، فيصنع منها طعاما لأصحابه ، ويقسم ما أصاب على أصحابه - فأقام وعصى أخاه ولم يعبأ بنصحه ، فتتبعته فزارة فقاتلوه وهو بمكان يقال له اللوى ، فقتل عبد اللّه وارتث دريد فبقي في القتلى ، فلما كان في نصف الليل أتاه فارسان فقال أحدهما لصاحبه : إني أرى عينه تبص فانزل فانظر إلى نفسه ، فنزل فكشف ثوبه فإذا هي تزمر ، فطعنه فخرج دم قد كان احتقن ، قال دريد : فأفقت عندها ، فلما جاوزوني نهضت قال : فما شعرت إلا وأنا عند عرقوبي جمل امرأة من هوازن ، فقالت : من أنت ؟ أعوذ باللّه من شرك . فقلت : لا بل من أنت ويلك ؟ قالت : امرأة من هوازن سيارة . قلت : وأنا من هوازن ، وأنا دريد بن الصمة .
قال : وكانت في قوم مجتازين لا يشعرون بالوقعة ، فضمته وعالجته حتى أفاق ، قال