تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
مستترا بنخلة ، ففضخ هامته بعمود الحديد فانجدل صريعا على وجه الثرى ، فهذه من أعظم المناصحة وأجلّها . وقد مدح بهذه المناصحة ، وأثنى عليه الأئمة المعصومون عليهم السّلام ، قال الإمام أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام في زيارته له التي رواها ابن قولويه في كامل الزيارة : « أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل ، والسبط المنتجب ، والوصي المبلغ ، والمظلوم المهتضم . . . » وفي محل آخر : « أشهد أنك قد بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المجهود » وفي محل آخر منها : « أشهد أنك قد نصحت للّه ولرسوله ولأخيك » وفي محل آخر : « أشهد أنك قد بالغت في النصيحة ، وأديت الأمانة ، وجاهدت عدوك وعدو أخيك ، فصلوات اللّه على روحك الطيبة وجزاك اللّه من أخ خيرا ورحمة اللّه وبركاته » . قوله عليه السّلام : « أديت الأمانة » يحتمل ثلاثة وجوه : أحدها : أن الإمامة منصب إلهي ، ووظيفة ربانية ، قد أخذ عهدها في الميثاق الأول وهي المشار إليها بقوله تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 1 » الآية ، فكانت هذه الإمامة هي الأمانة كما أشار إليها ابن أبي الحديد الكاتب الحنفي المعتزلي في خطاب أمير المؤمنين علي عليه السّلام :
أنت الأمانة لا يقوم بحملها * خلقاء هابطة وأطلس أرفع تأبى الجبال الشم عن تقليدها * وتضج تيهاء وتشفق برقع
وعرضها عبارة عن التعهد والالتزام بواجب طاعة الإمام التي افترضها اللّه على عامة البشر ، فكان هذا العرض على المخلوقات عرض اختبار ، لا عرض اختيار ، إذ لا خيرة لمخلوق مع إرادة الخالق . وإباء السماوات والأرض ومن في معناها ليست إباية امتناع ومعصية ، بل إباية عدم تكليف ، فحملها الإنسان الذي هو أظهر أفراد الأنواع المكلفة من الحيوانات ، لأنه محسوس بخلاف الملك والجن ، فإنها أرواح غير مرئية ولهذا جحدها الجاهلون من الفلاسفة ، فكان الإنسان ظلوما بحملها في العهد السابق ومخالفته لها في العهد اللاحق ، جهولا بما ثبت عن اللّه تعالى في السابق واللاحق ، فيقول بخ بخ مرة ، ويقول مرة أخرى وسعوها في قريش تتسع ، وكل من قام بطاعة الإمام ونصره فقد أدى الأمانة ، وأبو الفضل من أعظم أفراد هذا القسم .
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب ، الآية 72 .