تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
هذه القيود من صفات الناصح معتبرة ، في حسن الرأي ووجوب قبوله . وقد نظم الأدباء بعضا منها : قال أحدهم :
خصائص من تشاوره ثلاث * فخذ منها جميعا بالوثيقه وداد خالص ووفور عقل * ومعرفة بحالك في الحقيقة
أما كونه ناصحا : فلأن الناصح يصدق الفكر ويمحص الرأي ، وغير الناصح ربما يشير بالرأي الفطير فيوقع بالمضرة . وأما كونه شفيقا : فلأن الشفقة تحمل على النصح ، فتحمل على حسن التروي في الأمر وإيقاع الرأي من ثبت واجتهاد . وفي أمثال العرب : ( اسمع ممن لا يجد منك بدا ) : يعني اقبل نصيحة من يطلب نفعك ، كالأبوين ، ومن لا يستجلب بنصحك نفعا إلى نفسه بل إلى نفسك . يقول الشاعر :
إذا ما عرا خطب ورمت وروده * فشاور فكم نجح هدته المشاوره وأنفع من شاورت من كان ناصحا * شفيقا فأبصر بعده من تشاوره
وأما كونه عالما : ففائدته إصابته ، لعلمه وجه المصلحة في الأمر ، فإن الجاهل في الأمر أعمى لا يبصر وجه المصلحة فيه . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « استرشدوا العاقل ترشدوا ، ولا تعصوه فتندموا » . قال عبد اللّه بن الحسين لابنه محمد : ( احذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحا ، كما تحذر عداوة العدو العاقل ، فإنه كما يوشك أن يقع بك مكر العاقل ، كذلك يوشك أن يورطك شور الجاهل ) . وأما كونه مجربا : فلأنه لا يتم رأي العالم ما لم تنضم إليه التجربة ، وذلك أن العالم وإن علم وجه المصلحة في الأمر إلا أن ذلك الأمر قد يشتمل على بعض وجوه المفاسد ، ولا يطلع عليها إلا بالتجربة مرة ومرة ، فالنصيحة من دون تجربة مظنة الخطأ . وقيل في منثور الحكم : ( كل شيء محتاج إلى العقل والعقل محتاج إلى التجارب ) أو كما يقال : ( إياك ومناصحة رجلين : شاب معجب بنفسه قليل التجارب في