تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
منشؤه نقص العلم ، فإن العلم يخدم الفضيلة والرذيلة على حد سواء . أما علم الأخلاق فظهير الفضيلة وخصيم الرذيلة . الفضيلة لا تكون إلا بالقيام الفعلي بالواجب . ولا يكون المرء فاضلا لمجرد أنه يعلم ما يجب عمله ، بل الفضل في أن يعمل ما يجب عمله ويترك ما يجب تركه ، فكأين من عالم موسر يمر بذي الحاجة فيعرض عنه مع علمه بفضل مساعدة المحتاج وإغاثة الملهوف . وكم من جاهل سليم القلب تحمله سلامة قلبه على قضاء حاجته . لست أحاول أن أبخس العلم حقه ، ولكني أريد ألا تتجه رغبتنا إلى محاربة الجهل فقط ، فالمتعلم السئ الخلق أضر من الجاهل . ولقد كان يسرنا أن تكون الأخلاق شنشنة المتعلمين ، ولكن كثيرا ما نرى غير هذا . قال أحد المستشرقين : ( إن غير المتعلمين أزكى أخلاقا من المتعلمين ) وليس لهذا من سبب سوى أنهم لم يأخذوا قسطا من العلم الصحيح ، ولم يتزودوا من الأخلاق الفاضلة ، لأن القوى الموهوبة إن لم يأخذ بزمامها قائد الأخلاق الفاضلة كانت آلات الشرور : فمن كان ذا جاه وكرمت أخلاقه ، استخدم جاهه في مساعدة الضعفاء وقضاء حاجات المحتاجين ، وإذا ساءت أخلاق ذي الجاه توصل به إلى الشر ، كذلك من أعطي المال ، إن كان حسن الأخلاق بذله في صنوف الخير ، وإن كان شريرا ابتاع به شرا . والكاتب إذا لم يكن أمينا ، كانت معرفته الكتابة وسيلة تمكنه من تزوير العقود والوثائق ، وإيقاع الناس في المشاكل . والحداد إذا لم يكن أمينا اشترك مع اللصوص وصنع لهم المفاتيح التي تساعدهم على السرقة . والفتاة المتعلمة إن لم تكن كريمة الأخلاق ، فإنها لا تجني من تعلمها سوى الخلاعة ، والخروج على الأخلاق والآداب المرعية ، وكان ضررها أكبر إذا تولت مهنة التعليم . والمدره إذا لم يكن صادقا ، أضلّ القاضي وضيع الحقوق وساعد على أكل أموال الناس بالباطل . والناصح إذا لم يكن عاقلا عفيفا صدوقا ، ذا حياء وسلامة ذات . وفوق ذلك كله ( الدين ) قد حنكته الأمور وغذته التجارب ، إذا لم يوصف بهذه الصفات ، لا يؤخذ بنصحه ولا يعمل برأيه ، ولا يترتب الأثر على ما يبديه من النصح ، لما ينتج من الضرر الكبير والاختلال في الأمور . لأنه إن كان عفيفا ، يأنف من الغش حتى لعدوه ، وإن كان من أهل الحياء يمنعه حياؤه من نسبة الغش إليه . وإن كان صدوقا لا يكذب . لعلمه أن الكذوب ممقوت لا
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 307 | السيد حسن القبانچي