اللّه ، إني أكره لك أن تتحدث العرب عنك أنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا .
قال عمرو : دعني عنك فقال معاوية : إني لو شئت أن أمنيك وأخدعك لفعلت . قال عمرو : لا لعمر اللّه ما مثلي يخدع ، لأنا أكيس من ذلك . قال معاوية : ادن مني أسارك ، فدنا منه عمرو ليساره ، فعض معاوية أذنه وقال : هذه خدعة ، هل ترى في البيت أحدا ليس غيري وغيرك ؟ فأنشأ عمرو يقول :
معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * به منك فانظرن كيف تصنع
وما الدين والدنيا سواء وإنني * لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع
ولكنني أغضي الجفون وإنني * لأخدع نفسي والمخادع يخدع
وأعطيك أمرا فيه للملك قوة * وألفي به إن زلت النعل أصرع
وتمنعني مصرا وليست برغبة * وإني بذا الممنوع قدما لمولع
وكانت مصر في نفس عمرو بن العاص ، لأنه هو الذي فتحها في سنة تسع عشرة من الهجرة في خلافة عمر ، فكان لعظمها في نفسه وجلالتها في صدره ، وما قد عرفه من أموالها وسعة الدنيا ، لا يستعظم أن يجعلها ثمنا من دينه ، وهذا معنى قوله : ( وإني بذا الممنوع قدما لمولع ) . فقال له معاوية : أبا عبد اللّه ، أما تعلم أن مصر مثل العراق ؟
قال : بلى ، ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك ، وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق . وحضر عتبة بن أبي سفيان فقال لمعاوية : أما ترضى أن تشتري عمرا بمصر ؟ إن هي صفت لك ، ليتك لا تغلب على الشام . فقال معاوية : يا عتبة بت عندنا الليلة ، فلما جن الليل على عتبة رفع صوته ليسمع معاوية وقال :
أيها المانع سيفا لم يهز * إنما ملت على خز وقز
إنما أنت خروف مائل * بين ضرعين وصوف لم يجز
أعط عمرا إن عمرا تارك * دينه اليوم لدنيا لم تحز
يا لك الخير فخذ من دره * شخبه الأولى وأبعد ما غرز
واسحب الذيل وبادر قوتها * وانتهزها إن عمرا ينتهز
أعطه مصرا وزده مثلها * إنما مصر لمن عز فبز
واترك الحرص عليها ضلة * واشبب النار لمغرور يكز
إن مصرا لعلي أو لنا * تغلب اليوم عليها من عجز
فلما سمع معاوية قول عتبة أرسل إلى عمرو فأعطاه مصرا .
وندم عمرو على ذلك عند موته أشد الندم وباء بالخسران ، لأنه لم يعمر بعد ذلك