تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
من أمر إبراهيم ومحمد ابني عبد اللّه بن الحسن ما حدث ، أمسك المنصور عن المشاورة واستبد برأيه ، وأقبل على السهر والخلوة ، ولم يذكر أمرهما لأحد من أهله وخاصته ، وكان تحته مصلى قد تفزر لحمته وسداه وكان جلوسه ومبيته عليه فلم يغيره ، وعليه جبة خز دكناء قد درن جيبها ، فلم يغيرها حتى ظفر . وكان يقول في تلك الحال : وإياك والمشورة ، فإن عثرتها لا تستقال ، وزلتها لا تستدرك ، فكم قد رأيت من نصيح عاد نصحه غشا . ومنهم الرشيد : فإنه حكي عنه أنه بعث ذات ليلة إلى جعفر بن يحيى ، إني قد سهرت فوجه إليّ بعض سمارك . فوجه إليه بسمير له كوفي ، فسامره ليلته ، فلما رجع سأله جعفر عن خبره ، فقال : سامرته ليلتي كلها ، فأنشدته فما رأيته استحلى إلا بيتين من شعر أنشدتهما إياه ، فإنه أولع بهما وما زال يأمرني بتكريرهما عليه حتى حفظهما . فقال جعفر : وما هما ؟ قال :
ليت هندا أنجزتنا ما تعد * وشفت أنفسنا مما تجد واستبدت مرة واحدة * إنما العاجز من لا يستبد
فقال له جعفر : أهلكتني واللّه وأهلكت نفسك . قال : وكيف ذاك ؟ قال : إنه كان يرى أن لا غنى به عني وعن مشورتي ولم يكرر البيتين إلا وقد عزم على ترك مشاورتي والاستبداد بالرأي . فقتله بعد حول . قال الشاعر في مثله :
بديهته وفكرته سواء * إذا ما نابه الخطب الكبير وأحزم ما يكون الدهر رأيا * إذا عمي المشاور والمشير وصدر فيه للهمم اتساع * إذا ضاقت بما فيها الصدور
ومنهم الشعبي : فإنه خرج مع ابن الأشعث ، فقدم به على الحجاج فلقيه يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج ، وكان صديقا له . فقال له : أشر عليّ . فقال : لا أدري بما أشير ، ولكن اعتذر بما قدرت عليه . . . وأشار عليه بذلك جميع أصحابه . قال الشعبي : فلما دخلت ، خالفت مشورتهم ورأيت واللّه غير الذي قالوا . فسلمت عليه بالإمرة ثم قلت : أصلح اللّه الأمير إن الناس قد أمروني أن أعتذر بغير ما يعلم اللّه أنه الحق ، وأيم اللّه لا أقول في مقامي هذا إلا الحق ، قد جهدنا وحرصنا فما كنا بالأقوياء الفجرة ، ولا بالأتقياء البررة ، ولقد نصرك اللّه علينا وأظفرك بنا ، فإن سطوت فبذنوبنا ، وإن عفوت