إلا ثلاث سنين فخسر مصر ، وخسر معها الآخرة .
قال اليعقوبي في تاريخه ج 3 ص 198 ، لما حضرت عمرا الوفاة قال لابنه : لود أبوك أنه كان مات في غزوة ذات السلاسل ، إني قد دخلت في أمور لا أدري ما حجتي عند اللّه فيها . ثم نظر إلى ماله فرأى كثرته فقال : يا ليته كان بعرا ، يا ليتني مت قبل هذا اليوم بثلاثين سنة ، أصلحت لمعاوية دنياه وأفسد ديني ، آثرت دنياي وتركت آخرتي ، عمي علي رشدي حتى حضرني أجلي ، كأني بمعاوية قد حوى مالي وأساء فيكم خلافتي » .
فمن ترك المشورة وعدل عنها لم يظفر بحاجته ، وصار هدفا لسهام اللائمين ومضغة في أفواه العاذلين .
* * * فإن قلت قد ذكرت في حب المشورة وحسنها ، والأقوال الواردة في مدحها ونجاح من تمسك بها ، فهل قيل في عكس ذلك ونقيضه شيء ؟ قلت : نعم هناك أقوال وآراء أخر تخالف هذه النظرية ، وتعتبر المشورة ضعفا في الرأي ونقصا في التفكير .
قال بعض أهل العلم : لو لم يكن في المشورة إلا الاستحقار من صاحبها لك وظهور فقرك إليه ، لوجب اطراح ما تفيده المشورة وإلقاء ما يكسبه الإنسان ، وما استشرت أحدا قط إلا كبر عندي وتصاغرت له ، ودخلته العزة ودخلتني الذلة ، فإياك والمشورة وإن ضاقت بك المذاهب واختلفت عليك المسالك ، وأداك الاستيهام إلى الخطأ الفادح ، فإن صاحبها أبدا مستذل مستضعف ، وعليك بالاستبداد فإن صاحبه أبدا جليل في العيون مهيب في الصدور ، ولن تزال كذلك ما استغنيت عن العقول ، فإذا افتقرت إليها حقرتك العيون ورجفت بك أركانك وتضعضع شأنك ، وفسد تدبيرك ، واستحقرك الصغير ، واستخف بك الكبير ، وعرفت بالحاجة إليهم .
كان عبد اللّه بن طاهر يذهب إلى هذا المذهب ويقول : ما حك جلدك مثل ظفرك ، ولأن أخطىء مع الاستبداد ألف خطأ أحب إلي من أن أستشير وأرى بعين النقص والحاجة .
وكان يقال : الاستشارة إذاعة السر ومخاطرة بالأمر الذي ترومه بالمشاورة ، فرب مستشار أذاع عنك ما كان فيه فساد تدبيرك . وقد قيل : نعم المستشار العلم ، ونعم الوزير العقل . وممن اقتصر على رأيه دون المشاورة أبو جعفر المنصور : فإنه لما حدث
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 286
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٢٨٦