وما الذي أعتمده حتى يقع في يدي ، وأطلعته على الحقيقة ، واستشرته في كيفية العمل في ذلك . فقال : إن استعجلت لم تنتفع برأي ولا فعل ، وإن تمهلت وقبلت مشورتي تمكنت من أخيك وبلغت ما تأمل ، وذلك أنك تدعو المترددين على خراسان وتجلس لهم مجلسا عاما ، وتقول لهم : إن أخي كتب إلي يمدحكم ، ويظهر حسن انقيادكم وجميل طاعتكم ، ثم تقول لهم : قد أطلقت عنكم الخراج سنة ، وأخوك في خراسان وهي بلاد رجال بلا مال وليس له في رد قولك حيلة ، وسيناله من ذلك خلل عظيم ، ثم ينتقض عليه أكبر أمره ، ثم تفعل في السنة المقبلة مثل ذلك ، وتسقط عنهم خراج سنتين ، فإن لم يؤت بأخيك في السنة الثالثة في وثاق فاضرب عنقي . فخالفته وعجلت إلى خلع المأمون وعقد الأمر لابني ، فوقع ما وقع .
ومنهم عمرو بن العاص :
فإنه استشار عبده وردان على أن يلتحق بمعاوية ، فأشار عليه بالعدم فخالفه ، فندم وخسر الخسران المبين في الدنيا والآخرة ، قال ابن عبد ربه في ( الجزء الثالث ) من العقد الفريد تحت عنوان خبر ( عمرو بن العاص مع معاوية ) : « لما علم معاوية أن الأمر لن يتم له إن لم يبايعه عمرو ، فقال له : يا عمرو اتبعني . قال : لماذا ؟ للآخرة فو اللّه ما معك آخرة ، أم للدنيا ، فو اللّه لا كان حتى أكون شريكك فيها . قال : فأنت شريكي فيها .
قال : فاكتب لي مصر وكورها فكتب له مصر وكورها . وكتب في آخر الكتاب وعلى عمرو السمع والطاعة . قال عمرو : واكتب أن السمع والطاعة لا ينقصان من شرطه شيئا ، قال معاوية : لا ينظر الناس إلى هذا . قال عمرو : حتى تكتب . فكتب ، وو اللّه ما يجد بدا من كتابتها . ودخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية وهو يكلم عمرا في مصر وعمرو يقول له : إنما أبايعك بها ديني . فقال عتبة ائتمن الرجل بدينه ، فإنه صاحب من أصحاب محمد . وكتب عمرو إلى معاوية :
معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * به منك دنيا فانظرن كيف تصنع
وما الدين والدنيا سواء وإنني * لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع
فإن تعطني مصرا فأربح صفقة * أخذت بها شيخا يضر وينفع »
قال ابن أبي الحديد في المجلد الأول من ( شرح النهج ) ص 135 من الطبعة الأولى : « لما نزل علي عليه السّلام الكوفة بعد فراغه من أمر البصرة كتب إلى معاوية يدعوه إلى بيعته ، فقرأه فاغتم بما فيه وذهبت به أفكاره كل مذهب ، فاستشار أخاه عتبة بن أبي