تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
أول ما يهلكه رأيه » .

من استبد برأيه وأعرض عن رأي المشير فهلك :

من ذلك ما رواه المؤرخون ، أن من تقدم من ملوك اليونان كان يخشى على جزيرة الأندلس من البربر ، فاتفقوا وعملوا الطلاسم في وقت اختاروا إرصادها وأودعوها في تابوت من الرخام وتركوه في بيت بمدينة طليطلة وركبوا على ذلك البيت بابا وأقفلوه قفلا ، فكان كل من ملك منهم بعد صاحبه زاد على ذلك البيت قفلا تأكيدا لحفظه ، إلى أن جاء وقت انقراض دولتهم ودخول العرب والبربر إلى جزيرة الأندلس ، وذلك بعد مضي ستة وعشرين ملكا منهم ، فلما قام السابع والعشرون منهم وهو ( لذريق ) خطر بباله أن يفتح ذلك ويرى ما فيه ، استشار وزراءه وأهل الرأي من دولته وقال لهم : إنه قد وقع في نفسي من أمر هذا البيت الذي عليه ستة وعشرون قفلا شيء ، وأريد أن أفتحه لأنظر ما فيه ، فإنه لا يعمل عبثا ، فقالوا : أيها الملك صدقت ، إن هذا لم يعمل عبثا ولا أقفل سدى ، بل المصلحة أن تلقي عليه قفلا وتتركه ، كما قد فعل من تقدمك من الملوك ، لأن آباءك وأجدادك لم يهملوا هذا فلا تهمله وسر سيرهم . فقال : إن نفسي تنازعني على فتحه فلا بد منه ، فقالوا له : إن كنت تظن فيه مالا فقدره ، ونحن نجمع لك من أموالنا نظيره ، ولا تحدث علينا بفتحه حدثا لا تعرف عاقبته ، فإنا نخشى عليك ذهاب الملك ، فأصرّ على ذلك ، وكان رجلا مهابا فلم يقدروا على مهاجرته ، فأمر بفتح الأقفال وكان على كل قفل مفتاحه ، فلما فتح الباب لم ير في البيت شيئا إلا مائدة عظيمة من ذهب وفضة مكللة بالجواهر ، مكتوب عليها هذه مائدة سليمان بن داود عليه السّلام ، ورأى في البيت ذلك التابوت وعليه قفل ومفتاحه معلق عليه ، فلما فتحه لم يجد فيه سوى رق ، ورأى في جوانب التابوت صور فرسان مصورة بأصباغ محكمة التصوير على أشكال العرب ، معممون على ذوائب جعد ، ومن تحتهم الخيل العربية وبأيديهم القسي العربية وهم مقلدون بالسيوف المحلاة معتقلون بالرماح ، فأمر بتفتيش ذلك الرق فإذا مكتوب فيه : من فتح هذا البيت وهذا التابوت المقفلين بالحكمة ، دخل الذين صورهم في التابوت إلى جزيرة الأندلس وذهب ملك اليونان من أيديهم ودرست حكمتهم ، فهذا هو بيت الحكمة ، فلما سمع ( لذريق ) ما في الرق ، ندم على ما فعل وتحقق انقراض دولتهم ، فلم يلبث إلا قليلا حتى سمع أن جيشا وصل من المشرق ، وقد جهزه الوليد بن عبد الملك ، وكان النصر للمسلمين ، وانهزم اليونانيون حتى لم تقف هزيمتهم على موضع ، بل كانوا يسلمون البلدان بلدا بلدا ومعقلا معقلا ، فأسقط