هذه لفتة من لفتات الإمام السجاد عليه السّلام التي تتجلى فيها الإنسانية بتمامها وكمالها .
كلمات خطها يراع الإمام فأفضت بما لم تفض به طوال الكتب ، وهذا ما تبنته أحدث الدساتير العالمية في عصرنا هذا .
كل ما أثر عنه عليه السّلام ، إنما هو مأثور خالد في الكتاب والسنة ، حيث إن الإنسان بطبعه وبتطور معارفه ينظر ليومه غير ما ينظر لأمسه ، ولو بسطنا آراء الفلاسفة في شتى العصور لرفعنا وعظمنا منهم من أمكننا هضم آرائه ، ولا يتأتى الخلود لإنسان إذا لم يسبقه إليه خلود في آرائه ومعتقداته ، ولو تناولنا آراء الإمام السجاد عليه السّلام ( في الفصول التي مرت والتي سوف تمر ) تدقيقا وتحقيقا ، لرأيناها كليات لازمة للبشرية قاطبة في أي زمان وأي مكان ، لأنها ماثلة بالحق المطلق من حيث هو خير مطلق ، لا يحده وطن ولا قومية ولا لغة ولا عقيدة ولا سياسة .
نراه في جل فصوله ، يتعمق في التوجيه حتى يرتفع بالإنسان إلى روحانية لائقة في عالم واقعي ، تنبعث عنها أواصر اجتماعية مبنية على الحب والتسامح .
ومن حكمياته وشمول وصاياه التي يحملها بقلب طاهر مشبع بحب الإنسانية والعمل لأجلها : ما حواه هذا الفصل من حق المشير وهو قوله : « وحق المشير عليك أن لا تتهمه فيما يوافقك من رأيه إذا أشار عليك ، فإنما هي الآراء وتصرف الناس فيها . . . » .
هذه أسس الحياة حيث المجتمع الكامل في أوفى معنى وأقصر تعبير .
المشير حينما يمحض الرأي يرى المستشير كفؤا ، لذلك يوليه أهميته واعتناءه ، فما على المستشير إلا أن يأخذ برأيه ويقبل نصحه ، دون أن يتهمه في شيء ، فإن كان الصواب في رأيه أخذ به وإلا تركه من غير مذمة أو انتقاص فرارا من مقابلة الإحسان بالإساءة ، والمعروف بالمنكر .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 274
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٢٧٤