فالرجل الذي يشير عليك لم يأخذ العمل برأيه ، وإنما صور رأيه في الموضوع ووضعه أمامك ، فإن شئت أخذت به ، وإلا فأنت غير ملوم على تركه ، فإنه ليس ما يشير به أكثر من رأي يمكن أن يصيب ويمكن أن يخطئ ، وما أنت تجاهه إلا بالخيار من أمرك ولست بمكره على العمل به .
وعلى هذا ، فالمشير ذو فضل عليك مهما كان رأيه ، لأنه قدم لك ما عنده عن حسن نية وإخلاص ، فيجب أن تشكره على ما قدم لك من حسن الرأي ، وتقوم بما له عليك من حق ، فإن اتفقتما في الرأي حمدت اللّه وتقبلت رأيه بالشكر وأخذت على نفسك المكافأة له مهما استطعت ، وإن لم يوافقك في الرأي ، وكان أصح منك رأيا فيصيبك منه خير ما ترجو وتأمل .
كتب بعض الكتاب : « اعلم أن الناصح لك المشفق عليك من طالع لك ما وراء العواقب برؤيته ونظره ، ومثّل لك الأحوال المخوفة عليك ، وخلط لك الوعر بالسهل من كلامه ومشورته ، ليكون خوفك كفؤا لرجائك وشكرك إزاء النعمة عليك ، وأن الغاش لك الحاطب عليك من مدّ لك في الاغترار ، ووطأ لك مهاد الظلم ، وجرى معك في عنانك منقادا لهواك » .
استشار زياد بن عبيد اللّه الحارثي عبيد اللّه بن عمر في أخيه أبي بكر أن يوليه القضاء ، فأشار عليه به ، فبعث إلى أبي بكر فامتنع عليه ، فبعث زياد إلى عبيد اللّه يستعين به على أبي بكر ، فقال أبو بكر لعبيد اللّه : أنشدك باللّه ، أترى لي أن ألي القضاء ؟ قال :
اللهم لا . قال زياد : سبحان اللّه ! استشرتك فأشرت علي به ثم أسمعك تنهاه ! قال : أيها الأمير استشرتني فاجتهدت لك رأيي ونصحتك ، واستشارني فاجتهدت له رأيي ونصحته .
كان نصر بن مالك على شرط أبي مسلم ، فلما جاءه إذن أبي جعفر في القدوم عليه استشاره فنهاه عن ذلك وقال : لا آمنه عليك ، قال له أبو جعفر لما صار إليه :
استشارك أبو مسلم في القدوم علي فنهيته ؟ قال : نعم ، قال : وكيف ذاك ؟ قال : سمعت أخاك إبراهيم الإمام يحدث عن أبيه محمد بن علي قال : « لا يزال الرجل يزاد في رأيه ما نصح لمن استشاره » وكنت له كذلك ، وأنا اليوم لك كما كنت له .
ويجدر بنا أن نشير في المقام إلى أن المشورة ليست مقصورة بين الأصدقاء والإخوان فيما يجري بينهم من تبادل الأمور ، وإنما المشورة وضعت كذلك تمهيدا
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 275
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٢٧٥