وأنفذت أمره فيه ، وانتهيت إلى العمل بطاعته ، فكأني به إذا تحقق منك أنك فعلت ما أمرت به وقتلت عمه أمرك بإحضاره على رؤوس الأشهاد ، فإن اعترفت أنك قتلته بأمره أنكر أمره لك ، وأخذك بقتله قال عيسى : فقبلت مشورة يونس ، وعملت بها ، وأظهرت لأمير المؤمنين أني نفذت أمره .
ثم قدم المنصور من حجه ، وقد استقر في نفسه أني قتلت عمه عبد اللّه ، فدس إلى عمومته ( إخوة عبد اللّه ) وحثهم على أن يسألوه في عبد اللّه ، فقال : نعم إن حقوقكم تقتضي إسعافكم بحاجتكم ، ثم أمر إحضار عيسى بن موسى فأحضر لوقته ، فقال : يا عيسى ، كنت دفعت إليك عمي قبل خروجي إلى الحج ليكون عندك في منزلك إلى حين رجوعي ، فقال عيسى : قد فعلت يا أمير المؤمنين . فقال المنصور : قد سألني فيه عمومتك ، وقد رأيت الصفح عنه ، فائتنا به الساعة قال عيسى : ألم تأمرني يا أمير المؤمنين بقتله والمبادرة إلى ذلك ؟ قال : كذبت لم آمرك بذلك ، ولو أردت قتله لأسلمته إلى من يتولى ذلك . ثم أظهر الغيظ ، وقال لعمومته : قد أقرّ بقتل أخيكم ، مدعيا أني أمرته بقتله ، وقد كذب علي قالوا : يا أمير المؤمنين فادفعه إلينا لنقتله به .
فقال : شأنكم به . فأخذوني ، واجتمع الناس علي ، فقام واحد من عمومتي ، وسل سيفه ليضربني به ، فقلت : يا عم ، أفاعل أنت ؟ قال : إي واللّه ، كيف لا أقتلك وقد قتلت أخي ؟ فقلت لهم : لا تعجلوا وردوني إلى أمير المؤمنين فردوني إليه ، فقلت له : يا أمير المؤمنين ، إنما أردت قتلي بقتله ، وهذا عمك باق حي ، فإن أمرتني بدفعه إليهم دفعته إليهم الساعة ، فأطرق المنصور ، وعلم أن ريح فكره قد أصابت إعصارا ، وأن انفراده بتدبيره قارف خسارا ، ثم رفع رأسه وقال : ائتنا به ، فمضى عيسى وأحضر عبد اللّه ، فلما رآه المنصور ، قال لعمومته : اتركوه عندي وانصرفوا حتى أرى فيه رأيا .
قال عيسى : فتركته وانصرفت وانصرف إخوته . فسلمت روحي وزالت كربتي ، وكان ذلك ببركة الاستشارة بيونس ، وقبول مشورته والعمل بها .
شروط الاستشارة :
ويشترط في الاستشارة شرائط أربعة ، وهي : النصح ، والشفقة ، والعقل والتجربة ، وذلك لقول أمير المؤمنين علي عليه السّلام في بعض خطبه : « أما بعد ، فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب تورث الحسرة وتعقب الندامة » .
وهذه القيود الأربعة من صفات المشير معتبرة في حسن الرأي ووجوب قبوله .