تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
إذا كنت في حاجة مرسلا * فأرسل حكيما ولا توصه وإن باب أمر عليك التوى * فشاور لبيبا ولا تعصه ونص الحديث إلى أهله * فإن الوثيقة في نصه إذا المرء أضمر خوف الإله * تبين ذلك في شخصه
وقال آخر :
تأن وشاور فإن الأمور * منها مضيء ومستغمض فرأيان أفضل من واحد * ورأي الثلاثة لا ينقض
ولما أراد نوح ابن مريم قاضي مرو أن يزوج ابنته ، استشار جارا له مجوسيا ، فقال : سبحان اللّه الناس يستفتونك وأنت تستفتيني ! قال : لا بد أن تشير علي . قال : إن رئيس الفرس كسرى كان يختار المال ، ورئيس الروم قيصر كان يختار الجمال ، ورئيس العرب كان يختار الحسب ، ورئيسكم محمد كان يختار الدين ، فانظر لنفسك بمن تقتدي . وحكي أن رجلا من أهل يثرب يعرف بالأسلمي ، قال : ركبني دين أثقل كاهلي وطالبني به مستحقوه ، واشتدت حاجتي إلى ما لا بد منه ، وضاقت علي الأرض ، ولم أهتد إلى ما أصنع . فشاورت من أثق به من ذوي المودة والرأي ، فأشار علي بقصد المهلب بن أبي صفرة بالعراق . فقلت له : تمنعني المشقة وبعد الشقة ، وتيه المهلب . ثم إني عدلت عن ذلك المشير إلى استشارة غيره ، فلا واللّه ما زادني على ما ذكره الصديق الأول . فرأيت أن قبول المشورة خير من مخالفتها . فركبت ناقتي وصحبت رفقة في الطريق وقصدت العراق ، فلما وصلت دخلت على المهلب فسلمت عليه ، وقلت له : أصلح اللّه الأمير ، إني قطعت إليك الدهناء وضربت أكباد الإبل من يثرب ، فإنه أشار عليّ بعض ذوي الحجى والرأي بقصدك لقضاء حاجتي . فقال : هل أتيتنا بوسيلة أو بقرابة وعشيرة ؟ فقلت : لا ولكني رأيتك أهلا لقضاء حاجتي ، فإن قمت بها فأهل لذلك أنت ، وإن يحل دونها حائل لم أذم يومك ولم أيأس من غدك . فقال المهلب لحاجبه : اذهب به ادفع إليه ما في خزانة مالنا الساعة . فأخذني معه فوجد في خزانته ثمانين ألف درهم فدفعها إلي ، فلما رأيت ذلك ، لم أملك نفسي فرحا وسرورا . ثم عاد الحاجب بي إليه مسرعا ، فقال : هل ما وصلك يقوم بقضاء حاجتك ؟ فقلت : نعم أيها الأمير وزيادة . فقال : الحمد للّه على نجح سعيك واجتنائك جني مشورتك ، وتحقق ظن من أشار عليك بقصدنا . قال الأسلمي : فلما سمعت كلامه وقد أحرزت صلته ، أنشدته وأنا واقف بين يديه :