رأيت أن تستأني هؤلاء القوم وتستديمهم حتى تأتيهم كتبك وتقدم عليهم رسلك فعلت ، فإن يقبلوا يصيبوا رشدهم والعافية أوسع لنا ولهم ، وإن يتمادوا في الشقاق ولا ينزعوا عن الغي نسير إليهم ، وقد قدمنا إليهم بالعذر ودعوناهم إلى ما في أيدينا من الحق ، فو اللّه لهم من الحق أبعد وعلى اللّه أهون من قوم قاتلناهم أمس بناحية البصرة لما دعوناهم إلى الحق فتركوه ، ناوخناهم براكاء القتال حتى بلغنا منهم ما نحب ، وبلغ اللّه منهم رضاه فيما يرى .
وقام زيد بن حصين الطائي ، وكان من أصحاب البرانس المجتهدين ، فقال :
الحمد للّه حتى يرضى ولا إله إلا اللّه ربنا ، أما بعد ، فو اللّه إن كنا في شك من قتال من خالفنا ، لا تصلح لنا النية في قتالهم حتى نستديمهم ونستأنيهم ، ما الأعمال إلا في تباب ، ولا السعي إلا في ضلال ، واللّه تعالى يقول :
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
« 1 » ، إننا واللّه ما ارتبنا طرفه عين فيمن يتبعونه ، فكيف بأتباعه القاسية قلوبهم القليل من الإسلام حظهم ، أعوان الظلمة وأصحاب الجور والعدوان ليسوا من المهاجرين والأنصار ولا التابعين بإحسان .
وقام يزيد بن قيس الأرحبي ، فقال : يا أمير المؤمنين نحن أولو جهاز وعدة ، وأكثر الناس أهل قوة ، ومن ليس به ضعف ولا علة ، فمر مناديك فليناد الناس يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة فإن أخا الحرب ليس بالسؤوم ولا النؤوم ، ولا من إذا أمكنته الفرص أجّلها واستشار فيها ، ولا من يؤخر عمل الحرب اليوم لغد وبعد غد .
وقام زياد بن النضر وقال : لقد نصح لك يزيد بن قيس يا أمير المؤمنين وقال ما يعرف ، فتوكل على اللّه وثق به واشخص بنا إلى هذا العدو راشدا معانا ، فإن يرد اللّه بهم خيرا لا يتركون رغبة عنك إلى من ليس له مثل سابقتك وقدمك ، وإلا ينيبوا ويقبلوا وأبوا إلا حربنا تجد حربهم علينا هينا ، ونرجو أن يصرعهم اللّه مصارع إخوانهم بالأمس .
وقام عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن القوم لو كانوا اللّه يريدون ، وللّه يعملون ما خالفونا ، ولكن القوم إنما يقاتلوننا فرارا من الأسوة وحبا للأثرة وضنا بسلطانهم ، وكرها لفراق دنياهم التي في أيديهم ، وعلى إحن في نفوسهم وعداوة يجدونها في صدورهم ، لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة
هامش
( 1 ) سورة الضحى ، الآية 11 .